نحن في ممارساتنا نقع في كثيرٍ من الأخطاء عندما نجتهد في فهم الإسلام، وعندما يجابهنا غير المسلمين بسلوكنا كحجَّةٍ على الإسلام نقول: الإسلام حجَّة ذاته، ولسنا نحن الحجَّة عليه، فلماذا نقيِّم الغرب بسلوك بعض أفراده، قيم الغرب الحكيمة يظلمها أمثال جورج بوش الابن وغيره بممارساتهم، والديمقراطيَّة وحقوق الإنسان أكبر منه.
لكن من هنا أعود معك إلى قاعدةٍ مهمَّةٍ مفادها أنَّ الغرب لديه حكمة، وأنت لديك أعظم رسالة، وعليك أن تبحث عن ما يحتاجه الناس، وتقدِّمه لهم من زخم ذلك الدين وعطائه غير المجذوذ وغير الممنون إلا بقدر تعطُّل اجتهادنا.
وأظن أخي القعقاع أنَّ إدراك الغرب لنا وإدراكنا له في حاجةٍ إلى إعادة نظرٍ وتغيير.
الإدراك من المراهقة إلى الرشد:
منذ بدأ الغرب عصر نهضته بدا كمراهقٍ أغرته ينعة الشباب وقوّته، ورغبته الحثيثة في التمايز وإنكار فضل الآخر الإسلامي عليه، أغرته فلسفته التي ناضل لإرساء دعائمها، وأعزَّته تضحياته الكبرى في سبيل ثورته، كلّ هذا أغراه بنرجسيَّةٍ فريدةٍ، وزهوٍ متعالٍ، وتمركزٍ حول ذاته التي اعتبرها نموذج الحقّ المثالي الذي سعى لإثبات نفسه في إطاره عبر ما طوَّره من مناهج بثٍّ وتراكمٍ فلسفي، وفي غمرة هذا كلِّه وجَّه احتقاره للآخر.. كل الآخر.
فاعتبر ما دون الغرب همج، وأقاليمهم أرضٌ بلا شعوبٍ ولا أصحاب، نعم حقًا هكذا أسموها"No Man's land"ولعلَّ خبرة الاحتلال اليهوديَّة لفلسطين قامت على أساس مقولة:"أرض بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرض"، وتلك المقولة التي بلورها صاحب نظرية صدام الحضارات"صمويل هنتنجتون"في نظريَّته بقوله:"الغرب والباقون"، أو"The west and the r est"وهي الأطروحة التي ردَّ عليها أصحاب الاتجاه التعاوني من أبناء الغرب أنفسهم، كما رفضناها نحن العرب والمسلمين.
وكنَّا نحن في المقابل مستعمَرون، وجاهدنا من أجل استقلالنا، وفي فترة مراهقة هذا الاستقلال - سواء أكنَّا إسلاميين أم علمانيين - تصوَّرنا أنَّ الغرب كلَّه عدو، وصارت القضيَّة لدينا استقطابٌ من النوع الجغرافي الساذج، الذي عميت عينيه عن حقائق التعدديَّة والاختلاف داخل الآخر، والنتيجة أنَّنا فقدنا قدرتنا على التواصل مع الاتجاه الإنساني التصالحي التعاوني داخل الغرب، ذلك الاتجاه الذي ناصرنا في مؤتمرات العولمة، ورفض في"مؤتمر السكان"أفكار الإجهاض وتغيير شكل الأسرة، وفي"مؤتمر المرأة"رفض الشكل الصراعي الذي يقدِّمه الغرب لإعادة صياغة العلاقة التراحميَّة بين الرجل والمرأة داخل بنيان الأسرة، وبدلاً من أن ندعم نحن هذا الاتجاه الإنساني داخل الغرب تخلَّينا عنه وتركناه يحارب وحده تغوُّل الماديَّة في حياة الغرب كما خسرنا نحن المسلمين مساندته لنا في قضيَّة دعوتنا في المجتمعات الغربيَّة.
نحن في حاجةٍ لبناء روابط بيننا وبين من هو مؤمنٌ بمضمون أفكارنا الإصلاحيَّة في كلِّ مكانٍ وليس في الغرب فقط، حتى وإن لم يؤمن هؤلاء بمصدر قيمنا الإصلاحيَّة هذه.
أخي القعقاع، وسائر إخوتي الذين يقرأون هذه السطور؛
لقد ابتعثنا الله رحمة للعالمين، ابتعثنا الله بقيمٍ ساميةٍ هدفها إعمار الكون، وإنقاذ الإنسان - كلُّ الإنسان - من الشقاء، كان الإعمار والرحمة هدفا الله من هذا الابتعاث، أمَّا الإيمان فقد شدَّد الله تعالى على أنَّه غاية، لكنَّها ليست الغاية التي يتمُّ فرضها قسرًا، لقد أمر الله نبيَّه بتوصيل هذه الرسالة، وأردف أمره بالتأكيد على أنَّ أكثر الناس لن يؤمنوا، ولو حرص صلى الله عليه وسلم على ذلك، أنت أيها الأخ منوطٌ بحمل الرحمة، ولست منوطًا بإكراه الناس على قبول الإيمان، فإن أحسنت عرض بضاعتك فبها ونعمت، وإن أعجب الناس إحدى بضاعتيك دون الأخرى فهو هدى الله يهدي به من يشاء.
الاستعمار شيءٌ آخر:
قال الدكتور محمد عمارة أنَّنا حين نتعامل مع الغرب لا يجب أن نعتبره كتلةً صمَّاء، بل هو منقسمٌ على نفسه إلى، ثلاثة أقسام:
1-الغرب كإنسان.
2-الغرب كتقنية.
3-الغرب كمشروعٍ استعماري.
ومع تحفظنا الشديد على هذه التقسيمة التي ربَّما تتجاهل تقسيمات فرعية أخرى نجده يقول: أمَّا الإنسان فهو هدف رسالة الإسلام، وأمَّا التقنية فما كان مباحًا منها قبلناه، وما كان حرامًا رفضناه، وأم المشروع الاستعماري فلا وألف لا، وقد سمعت منه هذه المقولة ذات يوم في إحدى ندواته.
وأنا أكرِّر معه جملته الأخيرة، فلا يقبل مسلمٌ حرٌّ أن ينهب أحدٌ أرضه، أو أن يسلبه ثروته وموارده ومقدّراته الاقتصاديّة، كما لا يقبل مسلمٌ حرٌّ أن يبيع قيمه المستفادة قطعًا من وحيٍ قطعيِّ الدلالة في وجوب الالتزام بهذه القيم.
فالتواصل ضرورة، وتلمُّس الحكمة غاية، وقبول الاستعماريّ في أيِّ صورةٍ من صوره حرامٌ قطعًا.
مراجع لبحثك: