أما (بروناي) هذه الدولة الصغيرة ـ ذات الأغلبية المسلمة ـ فقد كانت ردود الفعل الرسمية تجاه الفيلم محدودة. لم تكن (بروناي) قد شاهدت الفيلم إلى أن افتتح في أحد مسارح الدولة في 12/8/ 1993م لمدة أسبوعين. كانت الصحافة في بروناي قد غطت أحداث الجدل الذي أثير حول الفيلم في الولايات المتحدة وبصورة لم تحدث في أي دولة من دول جنوب شرق آسيا. وعلى عكس الصحافة في هذه الدول فإن الصحف الكبرى في بروناي أبرزت نداء (الأبيم) بمقاطعة الفيلم، إلا أن ذلك كله كان قد حدث قبل عرض الفيلم في بروناي، ولما عرض الفيلم توقف الجدل وأصبح الحديث عنه كحديث عن أخبار قديمة. وانتهت ديزني من تحليلاتها عن ردود الفعل تجاه الفيلم في بروناي إلى القول بأنه «على الرغم من أن بروناي دولة مسلمة تعتبر أن تجارة المشروبات الكحولية غير قانونية فإنه نادرًا ما تجد هناك فيها حاجة إلى التاكيد على المعتقدات الإسلامية سواء كان ذلك على مستوى الشعب أو الحكومة» .
* كيف اختُرق العقل المسلم؟
ما يهمنا من هذا كله هو: كيف استطاعت ديزني اختراق العقل المسلم سواء في حنوب شرق آسيا أو في غيرها من بلاد العالم الإسلامي؟ وكيف استطاعت «أمركة» جزء من الثقافة العربية وأعادت تقديمه إلينا في صورة استعلائية تهكمية ساخرة؟ والأهم من هذا وذاك كيف استطاعت أن تحول ضحاياها من المسلمين إلى ضحايا بإرادتهم يقبلون على أفلامها ويدفعون لها ثمن ما يستمتعون به من عروض تحقِّر من شأن المسلمين وتسخر من دينهم وشريعتهم.
إن رجال استخبارات ديزني توصلوا إلى حقيقتين أساسيتين اخترقت بهما العقل المسلم:
الأولى: أن مهابة المسلمين قد نزعت من قلوب أعدائهم بدليل جرأة هؤلاء الأعداء على الإسلام وشريعته وسخريتهم من المسلمين، بل وجعل المسلمين يدفعون ـ بإرادتهم ـ ثمن هذه السخرية. في البلاد التي يسود فيها غير المسلمين تجدهم لا يعبؤون بمشاعر المسلمين، وإذا اعترض المسلمون على إيذاء مشاعرهم، فلا أحد يقيم لذلك وزنًا. أما في البلاد التي يسود فيها المسلمون فإن الأقلية غير المسلمة تتحكم فيهم؛ فهم يملكون المال؛ ومن تملك المال سيطر على الإعلام وتحكم في الكلمة. عرف رجال ديزني أن المسلمين ليسوا على قلب واحد، سواء اختلفت أقطارهم أو كانوا في قطر واحد، وإذا اعترض المسلمون على تحدي مشاعرهم فبضع تذاكر أو هدايا مجانية ترضيهم، أو حفل لصالح اليتامى، كما يسهل إقناعهم بأن أفلام الكارتون لا تحمل فكرًا وإنما هي مجرد أعمال فنية للتسلية فقط، وخاصة أنه يصعب عليهم إدراك مقاصد هذه الأعمال الفنية. تأكد رجال استخبارات ديزني أن المسلمين لا يختلفون عن النصارى أو البوذيين في اعتقادهم في دينهم مع الأعتقاد فيما يناقضه في نفس الوقت. وهذه الأمور من شأنها أن ترجئ استخدام الأعداء لسلاح القوة بالتدخل أو استخدام العقوبات إذا لزم الأمر.
الثانية: أن المسلمين مصابون بالوهن؛ فهم يحبون الدنيا. صحيح أن الإسلام قوة لها اعتبارها؛ لكن هناك منافسون أقوياء للإسلام في قلوب المسلمين، إنه حب المسلمين للمال وحبهم للفن كما عبر عن ذلك هوايت وون. إنهم موزعون بين إخلاصهم لدينهم وحبهم للأعمال الفنية وخاصة الدرامية منها، سواء عرضت في صورة فيلم عادي أو كارتوني. عرف رجال ديزني ذلك الوهن في قلوب المسلمين من نتيجة تحالف أي حركة إسلامية مع الحزب الحاكم، ومن تملق الحزب الحاكم لمشاعر العامة أيام الانتخابات، ومن خضوع رجال الصحافة من المسلمين لمن يدفع أكثر حتى ولو كان غير مسلم، ومن سطحية تفكير النقاد المسلمين لأفلام ديزني، ومن عدم قدرة دولة كاملة يسيطر عليها المسلمون من إعلان هويتها ومعتقداتها الإسلامية وما كان خلاف ذلك فهو استثناء لا يعتد به.
لهذا كله تتداعى على المسلمين الأمم من كل أفق كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها؛ فقلوبهم ممتلئة بالباطل اعتقادًا ومحبة؛ فأين موضع اعنقاد الحق ومحبته؟ وجوارحهم مشتغلة بغير الطاعة فلا يمكنهم شغلها بالطاعة، إلا إذا فرغوها من ضدها، وآذانهم تصغي إلى غير حديث الله؛ ولهذا لم يبق فيها إصغاء وفهم لحديثه، ومالوا لغير محبة الله؛ فلم يبق فيهم ميل إلى محبته، وألسنتهم نطقت بغير ذكر الله، فلم يبق لهم محل للنطق بذكره.
وأخيرًا: كما قال ابن القيم: «.. كذلك إذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فإنه لا يقبلها، ولا تلج فيه، ولكن تمر مجتازة لا مستوطنة» .
(1) انظر تفصيل للمقالة الآتية:
موقع مجلة البيان