نحاول هنا أن نطرح بعض الملاحظات على المسيحية الغربية التي تمثل مناطق عيب تقابلها أوجه قوة في الإسلام. أولى هذه الملاحظات تتعلق بغياب مفهوم الأمة الواحدة العامة في الممارسة المسيحية و غلبة المفاهيم العنصرية و القومية.. فالعنصرية تحكم المسيحية الغربية مع الشعوب الأخرى حتى لو اعتنقت المسيحية، و القومية تهيمن على العالم المسيحي الغربي الذي يفصل بين الدين و الدولة مما أدى إلى ظهور شرور النازية و الفاشية و الشيوعية.. و في كل الأحوال فإن غياب مركزية التوجه و وحدته قد أصاب المسيحية الغربية بضعف شديد تحاول الآن التغلب عليه من خلال تحركات البابوية الرومية و مجلس الكنائس العالمي في ميدان السياسة.
و العيب الثاني الرئيسي في المسيحية هو تعقد عقائدها و غموضها المضطرب كعقيدة التثليث مثلاً، و نجم عن ذلك تحول المسيحية إلى مجرد محاولة غير ناجحة لتحويل بعض الأفكار الفلسفية إلى دين لا تتقبله الفطرة الذهنية. كما نجم عنه أيضاً حركات الإصلاح المتتابعة منذ البرتستانتية و التي سعت كلها إلى جلاء غموض الفلسفات و المذهبيات المتداخلة في العقيدة المسيحية.. لكن هذه الخركات بدورها حولت الدين إلى كتلة باردة فاقدة لحرارة الإيمان و الإخلاص.. و انتهى الأمر إلى ضيق المفكرين و العامة من الأمر برمته و رواج الدعوة إلى فصل المسيحية عن تسيير الشئون السياسية و الاجتماعية إذا كانت عقائدها الأساسية على هذه الدرجة من التخبط، و مع ذلك بقي دعاتها يؤكدون أن صعوبة عقائدها تعني أنها موجهة بالإساس للعقول المتحضرة و ليس للسذج في بلدان آسيا و أفريقيا ممن يقبلون على الإسلام لبساطته.
و العيب الثالث القاتل هو خلو المسيحية من فلسفة اجتماعية شاملة و فعالة، فهي منذ بايتها لا تعلق على شئون الحياة و البشر و ليس لديها رأي في مسائل الدولة و القانون و الإنتاج، و لا بديل أمامها إلا أن تعيش منفصلة عن الدولة أو أن تسعى إلى مناقضة نفسها بالعمل على السيطرة على الدولة التي توجد الكنيسة في دائرتها. و تعود نظريتها في هذا المجال إلى القرنين الأول و الثاني من تاريخها، حيث ترعرعت إلى جانب الدولة الرومانية و تركت قضايا الحياة للقياصرة الأقوياء، مكتفية بالحديث عن ملكوت الرب.. و كان من شأن هذه الثنائية و البعد عن الحياة أن تثور ردود فعل قوية ضد المسيحية في تاريخها الطويل في أوروبا لعل أشهرها كان تفشي المذهب الشيوعي في بلدان الغرب ليحاول ملء الفراغ الدنيوي الخالي من أي توجيه ديني، و لا ريب أن محاولة فصل الدين عن الحياة تفشل لأن الحياة لا تقبل أن تنقسم و تحصر في أطر ضيقة.
ومن العيوب الأخرى التي أصابت المسيحية اقتصارها على الشعوب الغربية و تطبعها بأفكارها و مذاهبها و عاداتها، و لم تنتشر المسيحية خارج أوروبا إلا في بلدان العالم الجديد في أمريكا الشمالية و الجنوبية حيث واجهت وثنيات متخلفة، لكنها حينما حاولت أن تتوسع في البلدان ذات الأديان المنظمة حتى و إن كانت وثنية كالهندوكية و البوذية فشلت و لم تحرز أي تقدم إلا في ظل سيطرة الاستعمار الغربي و بمساعدته و التحالف معه و استغلال أوضاع محلية معينة من الأزمات و الحروب و الفقر و الجهل و التفكك الاجتماعي و التدهور الثقافي و ضرب الحضارات الأصلية.
و نختتم جولتنا المطولة عبر أفكار و ممارسات المسيحية بتساؤل: ترى لو عاد المسيح - عليه السلام - فهل سيتعرف على أتباعه في الغاتيكان أم في مسلمي فلسطين و البلاد المجاورة الذين سيعرفون قدره كنبي و يرحبون به حتى و هم في حالة الاستضعاف؟ إن عيسى - عليه السلام - لن يسعى لمقابلة البابا، لكنه سيحاول تحرير القدس كما حررها من قبل من الغارسيين و الكتبة و المنافقين، و سيقود جيش المسلمين من فلاحي مصر و الشام و فلسطين..
نقلاً ـ بتصرف ـ عن كتاب (رحلتي من الكفر إلى الإيمان ـ قصة إسلام الكاتبة الأمريكية المهتدية"مريم جميلة")