فهرس الكتاب

الصفحة 9512 من 27364

وكانت الأمة الأندلسية خلال هذا الاستشهاد المحزن الذي فرض عليها؛ تحاول بكل وسيلة أن تستبقي دينها وتراثها، فكان الموريسيكيون بالرغم من دخولهم في النصرانية يتعلقون سراً بالإسلام، وكثير منهم يؤدون شعائر الإسلام خفية، وكانوا يحافظون على لغتهم العربية، إلا أن السياسة الأسبانية فطنت إلى أهمية اللغة في تدعيم الروح القومية؛ لذلك أصدر الإمبراطور شارل الخامس سنة ( 932 هـ - 1526م) أول قانون يحرم التخاطب بالعربية على الموريسكيين، ولكنه لم يطبق بشدة؛ لأن هؤلاء الموريسكيين دفعوا له (100) ألف دوقة حتى يسمح لهم بالتحدث بالعربية، ثم أصدر الإمبراطور فيليب الثاني سنة (964ه - 1566م) قانوناً جديداً يحرم التخاطب بالعربية، وطبق بمنتهى الشدة والصرامة، وفرضت القشتالية كلغة للتخاطب والتعامل، ومع ذلك وجد الموريسكيون في القشتالية متنفساً لتفكيرهم وأدبهم، فكانوا يكتبونها سراً بأحرف عربية، وأسفر ذلك بمضي الزمن عن خلق لغة جديدة هي"الألخميادو"وهي تحريف أسباني لكلمة"الأعجمية"، ولبثت هذه اللغة قرنين من الزمان سراً مطموراً، وبذلك استطاعوا أن يحتفظوا بعقيدتهم الإسلامية، وألف بها بعض الفقهاء والعلماء كتباً عما يجب أن يعتقد المسلم ويفعله حتى يحتفظ بإسلامه، وشرحوا آيات القرآن باللغة الإلخميادية، وكذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان من أشهر كتاب هذه اللغة الفقيه المسمى"فتى أبيرالو"وهو مؤلف لكتب التفسير، وتلخيص السنة، ومن الشعراء محمد ربدان الذي نظم كثيراً من القصائد والأغنيات الدينية؛ وبذلك تحصن الموريسيكيون بمبدأ"التقية"فصمدوا في وجه مساعي المنصرين الذين لم تنجح جهودهم التبشيرية والتعليمية والإرهابية في الوصول إلى تنصير كامل لهؤلاء الموريسيكيين، فجاء قرار الطرد بعد هذه الإخفاقات.

ولم تفلح مساعي الموريسيكيين في الحصول على دعم خارجي فعال من الدولة العثمانية أو المماليك في مصر، رغم حملات الإغارة والقرصنة التي قام بها العثمانيون والجزائريون والأندلسيون على السفن والشواطئ الأسبانية، ودعم الثوار الموريسيكيين.

واستمرت محاكم التحقيق في محاربة هؤلاء المسلمين طوال القرن السادس عشر الميلادي، وهو ما يدل على أن آثار الإسلام الراسخة في النفوس بقيت بالرغم من المحن الرهيبة وتعاقب السنين، ولعل من المفيد أن نذكر أن رجلاً أسبانياً يدعى"بدية"توجه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج سنة (1222هـ - 1807م) أي بعد 329 سنة من قيام محاكم التحقيق.

مصادر الدراسة:

* محمد عبد الله عنان - نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين - مكتبة الخانجي - القاهرة الطبعة الرابعة 1408هـ- 1987م.

* عادل سعيد بشتاوي - الأندلسيون المواركة - القاهرة - الطبعة الأولى 1403هـ - 1983م.

* ليونارد باتريك هارفي - تاريخ الموريسكيين السياسي والاجتماعي والثقافي. (دراسة في كتاب الحضارة العربية في الأندلس التي أشرفت على إعدادها الدكتور سلمى الخضراء الجيمي) . مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت - الطبعة الأولى 1419- 1998.

* نبيل عبد الحي رضوان - جهود العثمانيين لإنقاذ الأندلس واسترداده - مكتبة الطالب الجامعي - مكة المكرمة - الطبعة الأولى 1408هـ- 1988.

المصدر: http://tansee صلى الله عليه وسلم jee r an.com/ma r som.htm

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت