أدت البعثات النسوية دوراً كبيراً في خدمة الكنائس والمنظمات والجمعيات التنصيرية في إفريقيا منذ وقت مبكر للغاية، وتذكر الوثائق المتاحة أن من أشهر الإرساليات النسوية التي نشطت في هذه المنطقة كانت إرسالية الراهبات البيضاوات، وكلمة البيض أو البيضاوات تشير مباشرة إلى أن هذه البعثات بروتستانتية عنصرية.
ثم إرسالية سيدة الرسل، وإرسالية الراهبات الزرقاوات (كاثوليك في مواجهة البروتستانت البيض) ، وإرسالية راهبات الروح القدس.
أما القوة المحركة التي أثارت كل همم الكنائس النصرانية الغربية للعمل النسوي في إفريقيا، فكانت لفتاة فرنسية ريفية تدعى جافوهي Javouhey لم تكمل عامها الثامن والعشرين عندما أسست عام 1806م جمعية سان جوزيف الكلوثي للدعوة النصرانية بين أبناء قريتها والقرى المجاورة.
وفي العام 1819م أبحرت بدعم من الكنيسة الأم على رأس أول إرسالية نسائية إلى منطقة السنغال، فأنشأت عدة مشاريع يدوية، ومستوصفات علاجية، وفصولاً تعليمية كنسية، استطاعت من خلالها أن تخترق جدار السلطات الإقليمية الحاكمة التي مهدت لها السبل لممارسة نشاطها، وكانت هي بدورها لا تألو جهداً لتمهيد كل السبل أمام الإرساليات النسائية التي تدفقت إلى إفريقيا، خاصة في منطقة السنغال وغينيا وساحل العاج، حتى أطلق عليها لويس فيليب ملك فرنسا حينذاك، لقب الرجل العظيم.
كلمة أخيرة:
وبعد هذه الإطلالة السريعة على تاريخ التنصير في إفريقيا نجد أن من موضوعية الطرح أن نستعيد السؤال الذي طرحه منذ نصف قرن من الزمان هوبير ديشان أحد حكام المستعمرات (المستعمرات مصطلح خاطئ وصوابه قوات الاحتلال) وهو: ترى أيهما ينتصر: الإسلام الشرقي، أو المسيحية الغربية؟ فالقضية بحق يشهد عليها الواقع، ويثير هذا الواقع عشرات المسائل والخطط التي يمكن أن يستدعيها خاطر المسلم الغيور على دينه، خاصة إذا ما تأكدنا أن ما كتبه أ. ل. شاتليه، ما زال متجسداً أمام عيوننا، حينما كتب يقول على لسان أحد القسس العاملين في إفريقيا: « إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير بالنصرانية في إفريقيا، لأن انتشار الإنجيل لا يجد معارضاً، لا من جهل السكان، ولا من وثنيتهم، ولا من مناضلة أمة من الأمم، غير أمة العرب، فليس خصمنا غير الشيخ الذي يملك نفوذاً أكثر مما هو للفرسان المحاربين » [7] .
وهذا هو ما كرره بصياغة أكثر يأساً القس جاير ديز أحد كبار قساوسة أوروبا، أمام مؤتمر أدنبره الشهير، حينما قال عن دعاة الإسلام معبراً عن سخطه: « كيف يمكن التعامل مع هذه الأشياء؟ لقد وجدنا في رحلتنا الأخيرة عبر إفريقيا القبائل على نهر شاري، وجداول الكونغو وما بين الدرجات العاشرة والخامسة من خط العرض الشمالي، كلها تدين بالإسلام أما تلك الزوايا التي تنتشر في القرى والسهول والأدغال بشكلها غير الحضاري والمضاد للعصرية تماماً، فإنها رأس النبع للمد الإسلامي في أنحاء إفريقيا، الذي يحتاج من الكنائس أن تتوحد في مواجهتها وتوجيه ضربة قاسية لها [8] .
ثم يستطرد قائلاً: « إن شمال نيجيريا يجب أن يكون النقطة الأكثر أهمية، مع إنشاء مركز كبير لمختلف الكنائس في أقصى الغرب، ومحاولة الدخول إلى مناطق المسلمين، أما أوغندا فإن كانت توجد بها كنائس فهي أشبه بجزر في بحر الإسلام، لا تستفيد من الوجود القوي لحكوماتنا الأوروبية في المنطقة، خاصة في شرق إفريقيا؛ حيث يجب أن نحتل كل قوة وكل مركز استراتيجي للمسلمين لنخضعه للمراقبة، وهذا يتطلب التعاون الوثيق في الساحل الشرقي الذي طالما اشتقنا إليه في بلادنا [9] .
الإذاعات التنصيرية الموجهة إلى إفريقيا [10] :
إن حجم الوسائل والتقنيات الحديثة المستخدمة في التنصير أصبح من الضخامة إلى حد ضرورة عمل دراسات متخصصة لمعرفة هذه الوسائل والتقنيات، ونوع الرسالة التي تقدمها، ومضمون هذه الرسالة والمساحة الجغرافية التي تغطيها ومدى تأثيرها، وهنا نشير فقط إلى أحد الوسائل المعاصرة وهو البث الإذاعي، من خلال عشرات المحطات المنتشرة في إفريقيا وخارجها، نذكر منها:
إذاعة حول العالم T r answo r ld r adio Tw r (تأسست عام 1954م) تملك محطات للبث واستديوهات لإنتاج وإعداد البرامج الدينية في أكثر من خمسين دولة في العالم، أما إرسالها فيوجه على الموجات المتوسطة والقصيرة بأكثر من خمس وثلاثين لغة من بينها العربية.
إذاعة راديو الفاتيكان r adio Vatcan (تأسست عام 1931م) تملك أكبر وأقوى أجهزة بث أرضية على مستوى العالم، وتقدم خدماتها بأكثر من سبع وأربعين لغة ولهجة من بينها العربية.
محطة KGEL التنصيرية: توجه بثها من كاليفورنيا بأمريكا، بأكثر من ثلاثين لغة.
راديو صوت الإنجي صلى الله عليه وسلم adio Vooice of the Gospel r VOG: يبث إرساله من أديس أبابا بثلاث عشرة لغة على الموجتين المتوسطة والقصيرة إلى غرب وجنوب إفريقيا.
المحطة الدينية النصرانية: ELWA: تبث برامجها من ليبيريا على مدى 40 ساعة يومياً.
المحطة الكنسية بأنجولا: تبث برامجها بست لهجات محلية.