وإذا شئنا أن نناقش تحليلات هؤلاء الجهلة بظواهر الأمور فضلاً عن جهلهم بنوايا المسلمين الذين يرجعون إلى دينهم زرافات ووحداناً فإن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي يذكرونها لا تكفي وحدها لتفسير ذلك، وهذا تكذيب للواقع، وإساءة إلى هذه الجموع العريضة من الشباب المسلم الذي يجتهد في إثبات عقيدته والتمسك بهدي ملته، وتشكيك بتوجه هؤلاء؛ فلو كان العامل الاقتصادي هو الدافع فما بالنا بهؤلاء الذين اختاروا هذا الطريق على الرغم من البحبوحة التي يعيشون فيها؟ ماذا يدفعهم إلى هذا؟ أهو طمع في الزيادة؟ ! ثم ما بال هذه الجماهير التي ذاقت بسبب تمسكها بعقيدتها كل أنواع المحن من قتل وسجن وتضييق وتشريد..
ومع هذا لم ترض الدنية في دينها، ولم تفتنها التهديدات ولا الإغراءات عن التخلي عما تؤمن به؟ !.
إن طرق المغريات المادية والمعنوية لم تزل مفتوحة أمام طلاب الدنيا، وما على الإنسان الذي يريد المطامع الدنيوية إلا أن يشير ولو إشارة إلى امتعاضه من المظاهر الإسلامية، ويتهجم على هذا التيار من الفهم والتفكير الذي يحس ويلمس بين الجماهير المسلمة؛ حتى يُحْتَضَن وترفع درجته لينصب إما أديباً عبقرياً، أو مفكراً مستنيراً جريئاً، وبعد أن يكون نكرة فقيراً مطوياً في براثن الإهمال والضعة؛ يصبح معرفة غنياً طافياً على سطح المجتمع.
إن تفسير رجوع الناس إلى دينها هذا التفسير الفج مثل تفسير كارل ماركس للتاريخ، وبقدر تهافت الماركسية وانهيارها؛ ستنهار هذه التفسيرات والتحليلات إن شاء الله.
وهذا التفسير والتفسير المادي للتاريخ هو نفسه تفسير المستشرقين والمستغربين للفتوح الإسلامية بأنها فتوحات وهجرات اقتصادية خرج فيها العرب من جزيرتهم تحت ضغط الحاجة، وانساحوا في البلاد للنهب والسلب لتحسين وضعهم الاقتصادي! وهكذا تجرد هذه الموجات الكاسحة من الشباب المسلم من أي دافع مشروع، ومن أي هدف نبيل، وتشوه صورتها لتبدو موجات مسعورة، تنشر الفوضى والتخريب، ليكون ذلك مسوغاً لضربها أو علاجها بكافة الطرق، تجرد هذه الجماهير من الأحفاد كما جردت أجدادها من الغايات السامية، والأهداف العظيمة، وتصاغرت تضحياتهم ودماؤهم المسفوحة في كل ربوة، وفوق كل ثرى لتكون من أجل البحث عن لقمة الخبز فقط، أما سبيل الله، والجنة، وجزاء الصابرين، وغسل العار، والعزة الإيمانية، وحرب الظلم والطغيان، والرباط، والشهادة، ومن هو في سبيل الله، ومن هو في سبيل الشيطان.
كل ذلك لا قيمة له ولا وجود له في نظر علماء الاجتماع الذين يبحثون في الظواهر الإسلامية وهم يعيشون خارجها.
ولكن أنى لإنسان أن يصف لك ألمك كما تشعر به حتى ولو كان طبيباً ألمعياً؟ تشتكى ما اشتكيتُ من ألم الشوق إليها والشوقُ حيث النحول وإذا خامَرَ الهوى قلبَ صب فعليه لكل عين دليل