فهرس الكتاب

الصفحة 9946 من 27364

وهو من أعظم أعمال القلوب والتي لا يطلع عليها إلا الله عز وجل، وهو أن يريد الإنسان بقرباته وجه الله عز وجل والدار الآخرة، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل والذي يقدم فيه العبد أغلى ما عنده - وهي نفسه التي بين جنبيه - فإذا لم يكن قاصدًا بجهاده وجه الله عز وجل ورضوانه وجنته في الآخرة خسر خسرانًا مبينًا؛ ولذلك يجب إعداد المجاهدين قبل الجهاد بالإخلاص في أعمالهم والتجرد لله سبحانه في حركاتهم وسكناتهم•

وكما أن للإخلاص أثره في نيل رضا الله سبحانه وما أعده للمجاهدين الصادقين، فإن له أثرًا كذلك في الثبات أمام الأعداء لقوله تعالى: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح: من الآية18) ، وإذا تمكن الإخلاص من القلوب أثمر التضحية والشجاعة في سبيل الله عز وجل، وأثمر الصبر، والزهد في الدنيا ومتاعها الزائل، وتوحد الهم في إعلاء كلمة الله تعالى وإقامة دين الله تعالى؛ وبذلك ترتفع الهمة ويعلو المقصد ويوجه إلى الله تعالى والدار الآخرة وما أعد الله فيها لعباده المجاهدين من الرضوان والنعيم ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا•

والإخلاص من أشرف أعمال القلوب التي يجب أن يعتنى بها في جميع الأعمال، ولا سيما في الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى؛ وذلك لما يتعرض له المجاهد من فتنة الشهرة، أو حب المدح، والثناء عليه بالشجاعة والبذل والتضحية•

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"والجهاد مقصوده أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله؛ فمقصوده إقامة دين الله لا استيفاء الرجل حظه، ولهذا كان ما يصاب به المجاهد في نفسه وفي ماله أجره فيه على الله؛ فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" (113) .

ولذلك لا يكاد يذكر الجهاد في الكتاب والسنة إلا ويذكر بعده"في سبيل الله"• وكذلك من يقتل في القتال مع الكفار لا يسمى شهيدًا إلا إذا كان في سبيل الله• قال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (البقرة:154) . أي الذين أخلصوا في جهادهم لله تعالى ولم يريدوا شيئًا من حظوظ هذه الدنيا الفانية.

ويعلق سيد قطب رحمه الله تعالى على هذه الآية بقوله: "ولكن من هم هؤلاء الشهداء الأحياء؟ إنهم أولئك الذين يقتلون"في سبيل الله"•• في سبيل الله وحده، دون شركة في شارة ولا هدف ولا غاية إلا الله• في سبيل هذا الحق الذي أنزله• في سبيل المنهج الذي شرعه• في سبيل هذا الدين الذي اختاره •• في هذا السبيل وحده، لا في أي سبيل آخر، ولا تحت أي شعار آخر، ولا شركة مع هدف أو شعار• وفي هذا شدد القرآن وشدد الحديث، حتى ما تبقى في النفس شبهة أو خاطر •• غير الله ••"

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سئل رسول ا صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء. أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (114) أخرجه مالك والشيخان•

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله: رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضًا من الدنيا؟ فقال: (لا أجر له) فأعاد عليه ثلاثًا• كل ذلك يقول: (لا أجر له) (115) أخرجه أبو داود•

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تضمن الله تعالى لمن خرج في سبيله؛ لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة• والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم وريحه مسك• والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني• والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل) (116) .

فهؤلاء هم الشهداء• هؤلاء الذين يخرجون في سبيل الله، لا يخرجهم إلا جهاد في سبيله، وإيمان به، وتصديق برسله•

ولقد كره رسول ا صلى الله عليه وسلم لفتى فارسي يجاهد أن يذكر فارسيته ويعتز بجنسيته في مجال الجهاد: عن عبدالرحمن بن أبي عقبة عن أبيه - وكان مولى من أهل فارس - قال: شهدت مع صلى الله عليه وسلم أحدًا، فضربت رجلاً من المشركين، فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي• فالتفت إليّ صلى الله عليه وسلم فقال: (هلا قلت: وأنا الغلام الأنصاري؟ إن ابن أخت القوم منهم، وإن مولى القوم منهم) (117) .

فقد كره له"أن يفخر بصفة غير صفة النصر للنبي r، وأن يحارب تحت شارة إلا شارة النصر لهذا الدين• وهذا هو الجهاد، وفيه وحده تكون الشهادة وتكون الحياة للشهداء" (118) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت