فهرس الكتاب

الصفحة 9959 من 27364

••• أجل، يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى الله هذه العقبة، وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة، كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله لا تصدها شبهة، ولا يعوّقها غبش، ولا يميعها لبس؛ فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم"المسلمون"، وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل الله هم المجرمون" (151) ا•هـ•"

وإن المتدبر لهدي صلى الله عليه وسلم في مكة وكيف واجه الكفار فيها ليجد أن جهاد صلى الله عليه وسلم في تلك الحقبة من الدعوة كان جهاد بيان وبلاغ وتربية طيلة العهد المكي،ولم يعرف عنه عليه الصلاة والسلام أنه واجه المشركين بالسلاح، ولم يأذن لأصحابه في ذلك• وما ذاك - والله أعلم - إلا لتأخذ الدعوة حظها من البلاغ والقوة والتربية للقاعدة الصلبة• ولقد واجه عليه الصلاة والسلام في سبيل ذلك من الأذى والتعذيب لأصحابه الشيء العظيم حتى إذا استبانت سبيل المؤمنين واستبانت سبيل كفار قريش المجرمين، واتضحت السبيلان دون لبس ولا غموض، أذن الله عز وجل لرسوله والمؤمنين بالهجرة ثم الجهاد بعد أن تهيأ لهم الأنصار والمكان الذي يؤون إليه ويحتمون به وينطلقون منه، ولعل هذه هي إحدى الحكم التي من أجلها أُمر المسلمون أن يكفو أيديهم في مكة•

وعن هذه المرحلة وضرورة بيان سبيل المؤمن وسبيل المجرمين قبل مصادمة الكفار يتحدث محمد قطب وفقه الله تعالى فيقول:"نحتاج أن نقف وقفات طويلة نتأمل فيها نشأة الجيل الأول؛ لأن فيها زادًا كاملاً لكل من أراد أن يدعو، أو يتحرك بهذا الدين في عالم الواقع؛ فقد صُنع ذلك الجيل على عين الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه لموسى عليه السلام: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه: من الآية39) ، ونشأ على يدي أعظم مرب في تاريخ البشرية، محمد رسول ا صلى الله عليه وسلم ، فكان جيلاً فريدًا في تاريخ البشرية كله، يوجهه الله بالوحي، ويتابعه رسول ا صلى الله عليه وسلم بالتربية والتوجيه، فاكتملت له كل وسائل النشأة الصحيحة في أعلى صورة، فأصبح كالدرس"النموذجي"، الذي يلقيه الأستاذ ليعلّم طلابه كيف يدرّسون، حين يئول إليهم أمر التعليم•"

ثم إن إرادة الله سبحانه وتعالى قد اقتضت أن يتم أمر هذا الدين على السنن الجارية - لا الخارقة - لحكمة أرادها الله، لكي لا يتقاعس جيل من الأجيال فيقول: إنما نصر الجيل الأول بالخوارق، وقد انقطعت الخوارق بعد رسول الله ،! وفيما عدا هذه الخارقة التي اختص بها أهل بدر، وفيما عدا ما يختص بشخص الرسو صلى الله عليه وسلم ، فقد جرت أمور الإسلام كلها على السنة الجارية؛ من استضعاف في المبدأ، وابتلاء وصبر وتمحيص، ثم تمكين على تخوف، ثم تمكين على استقرار وقوة، ثم انتشار في الأرض• لذلك فإن الدروس المستفادة من نشأة الجيل الأول هي دروس دائمة، لا تتعلق بالنشأة الأولى وحدها، وإنما هي قابلة للتطبيق في كل مرة تتشابه فيها الظروف أو تتماثل؛ لأنها سنن جارية، وليست حوادث مفردة عابرة لا تتكرر•

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد وَجَّهَنَا في كتابه المنزل، لتدبر السنن الربانية ودراسة التاريخ - الذي هو في الحقيقة مجرى السنن في عالم الواقع - فنحن جديرون أن نعكف على دراسة النشأة الأولى؛ لنستخلص منها الدروس والعبر، ولتكون هاديًا لنا في كل تحرك نقوم به، ومحكًا لاستقامتنا على الطريق أو انحرافنا عنه ••• يقول سبحانه وتعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:55) .

وكأن المعنى: نظل نفصل الآيات حتى تستبين سبيل المجرمين•

وورود هذا المعنى في آية مكية له دلالة واضحة، أو ينبغي أن تكون واضحة؛ فاستبانة سبيل المجرمين هدف مقصود، تبينه لام التعليل في قوله تعالى: (وَلِتَسْتَبِينَ) . ونزول هذه الآية في الفترة المكية، معناه أن استبانة سبيل المجرمين هي من أهداف الدعوة، بل من لوازم الدعوة في الفترة الأولى التي يتم فيها نشأة الجماعة المسلمة•

فما الذي تحققه استبانة سبيل المجرمين للدعوة؟

إن استبانة سبيل المجرمين تتضمن أمرين:

أولاً: بيان من هم المجرمون؟ وثانياً: بيان السبيل الذي يسلكونه، والذي من أجله أصبحوا مجرمين•

فمَن هم المجرمون؟ وما سبيلهم؟ وما علاقة تفصيل الآيات باستبانة سبيلهم؟

لقد فصّلت الآيات قضية الألوهية، وهي القضية الأولى والكبرى في القرآن كله، والسور المكية بصفة خاصة•

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت