أمرهم (1) . (ز)
59119 - قال يحيى بن سلّام: {ما كان لهم الخيرة} أن يختاروا هم الأنبياءَ، فيبعثونهم، بل الله الذي اختار، وهو أعلم حيث يجعل رسالاته (2) [4986] . (ز)
[4986] اخْتُلِفَ في معنى {ما} في قوله تعالى: {ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ} على قولين: أحدهما: أنّها نافية. وهو قول الجمهور. والمعنى: ما كان للخلق على الله الخيرة. ويكون الوقف التام على هذا القول على قوله تعالى: {ويَخْتارُ} . والثاني: أنّها اسم موصول بمعنى: الذي، فيكون ذلك إثباتًا، والمعنى: ويختار للمؤمنين ما كان لهم فيه الخيرة. وعلى هذا القول لا يُوقَف على قوله تعالى: {ويَخْتارُ} .
ورجَّحَ ابنُ جرير (18/ 300 - 301 بتصرّف) الثاني مستندًا إلى لغة العرب، وقال: «فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفتَ مِن أن {ما} اسم منصوب بوقوع قوله: {يختار} عليها، فأين خبر كان؟ ... قيل: إنّ العرب تجعل لحروف الصفات إذا جاءت الأخبار بعدها أحيانًا أخبارًا، كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها ... كقول القائل: كان عمرٌو أبوه قائمٌ. لاشكَّ أن» قائمًا «لو كان مكان الأب وكان الأب هو المتأخر بعده كان منصوبًا، فكذلك وجه رفع {الخيرة} ، وهو خبر لـ {ما} » .
ورجَّحَ ابنُ كثير (10/ 479 بتصرّف) الأولَ مستندًا إلى النظائر، والسياق، وأقوال السلف، فقال: «قوله: {ماكان لهم الخيرة} نفيٌ على أصح القولين، كقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذ اقضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] . [و] كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره أيضًا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي: من الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئًا» .
وبنحوه قال ابنُ القيم (2/ 291) .
وذَهَبَ ابنُ عطية (6/ 606) إلى وجه ثالث، فقال: «ويتَّجه عندي أن يكون {ما} مفعولة، إذا قدَّرنا {كان} تامة، أي: أنّ الله تعالى يختار كل كائن، ولا يكون شيء إلا بإذنه، وقوله تعالى: {لهم الخيرة} جملة مستأنفة، معناها: تعديد النعمة عليهم في اختيار الله تعالى لهم لو قبلوا وفهموا» . ولم يذكر مستندًا.
وانتَقَدَ ابنُ جرير (18/ 301) القولَ الأولَ؛ لدلالة أقوال السلف، ولغة العرب، والعقل، فقال: «هذا قول لا يخفى فسادُه على ذي حِجًا مِن وجوهٍ، لو لم يكن بخلافه لأهل التأويل قولٌ، فكيف والتأويل عمن ذكرنا بخلافه؟!» . ثم ذكر في أوجه فساد ذلك القول، ما ملخصه: 1 - أنّ مقتضى هذا القول نفي أن تكون لهم الخيرة فيما مضى قبل نزول هذه الآية، دون المستقبل. لقوله: «ما لهم الخيرة» ، ولم يقل: «ليس لهم الخيرة» ؛ ليكون نفيًا عن أن يكون ذلك لهم فيما قبل وفيما بعد. 2 - أنه غير جائز في الكلام أن يقال ابتداء: «ما كان لفلان الخيرة» ، ولَمّا يتقدم قبل ذلك كلام يقتضي ذلك. 3 - أن معنى {الخيرة} في هذا الموضع: إنما هو «الخِيرَة» ، وهو الشيء الذي يختار من البهائم، والأنعام، والرجال، والنساء، وليس بالاختيار.
وانتَقَدَ ابنُ عطية (6/ 605) اختيار ابن جرير للقول الثاني، فقال: «اعتذر الطبري عن الرفع الذي أجمع القراء عليه في قوله تعالى: {ما كان لهم الخيرةُ} بأقوالٍ لا تتحصل، وقد ردَّ الناس عليه في ذلك» .
وقال ابنُ كثير (10/ 479) : «قد احتجَّ بهذا المسلك طائفةُ المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح» .
(1) تفسير مقاتل بن سليمان 3/ 353.
(2) تفسير يحيى بن سلام 2/ 606.