ضَلالٍ مُبِينٍ، قال كفار مكة للنبي - صلى الله عليه وسلم: تعالَوا ننظرْ في معايشنا مَن أفضل دُنيا؛ نحن أم أنتم، يا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ إنكم لعلى ضلالة. فردَّ عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم: ما نحن وأنتم على أمر واحد، إن أحد الفريقين {لَعَلى هُدًى} يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسَه وأصحابه، {أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} يعني: كفار مكة. الألف ها هنا صلة، مثل قوله - عز وجل: {ولا تُطِعْ مِنهُمْ آثِمًا أوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] (1) . (ز)
63496 - قال يحيى بن سلّام: ثم قال: {قُلِ اللَّهُ وإنّا أوْ إيّاكُمْ} أي: أن أحد الفريقين نحن وأنتم {لَعَلى هُدًى أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} وهي كلمة عربية يقول الرجل لصاحبه: إن أحدنا لصادق، يعني: نفسه، وكقوله: إن أحدنا لكاذب، يعني: صاحبه، وكان هذا بمكة، وأمر المسلمين يومئذ ضعيف (2) [5332] . (ز)
{قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) }
63497 - قال يحيى بن سلّام: {قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْأَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ}
[5332] رجَّح ابنُ جرير (19/ 286) أن معنى قوله تعالى: {وإنّا أوْ إيّاكُمْ لَعَلى هُدًى أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} : «أن ذلك أمْرٌ مِن الله نبيَّه بتكذيب مَن أمره بخطابه بهذا القول بأحسن التكذيب، كما يقول الرجل لصاحبٍ له يخاطبه وهو يريد تكذيبَه في خبرٍ له: أحدنا كاذبٌ. وقائل ذلك يعني صاحبَه لا نفْسَه؛ فلهذا المعنى صيَّر الكلام بـ {أو} » .
وذكر ابنُ عطية (7/ 185 - 186) أن معنى: {وإنّا أوْ إيّاكُمْ} : «تلطُّف في الدعوى والمحاورة، والمعنى كما تقول لمن خالفك في مسألة: أحدنا يخطئ. أي: تثبت وتنبه، والمفهوم من كلامك أن مخالفك هو المخطئ، وكذلك هذا معناه {لَعَلى هُدىً أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} فَلَنَتَبَيَّنْه، والمقصد: أن الضلال في حيز المخاطبين، وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه» .
ثم نقل عن أبي عبيدة أن {أو} «في الآية بمعنى واو النَّسق، والتقدير: وإنا وإيّاكم لعلى هدًى أو في ضلالٍ مبين» . ثم انتقده مستندًا إلى ظاهر اللفظ قائلًا: «وهذا القول غير مُتَّجه، واللفظ لا يساعده» . ثم علَّق بقوله: «وإن كان المعنى -على كل قول- يقتضي أنّ الهُدى في حيِّز المؤمنين، والضلال في حيِّز الكفرة» .
(1) تفسير مقاتل بن سليمان 3/ 532 - 533.
(2) تفسير يحيى بن سلام 2/ 76.