فأظلم اللهُ على المنافقين، فقالوا حينئذ: {انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ} فإنّا كُنّا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: ارجِعوا مِن حيث جئتم من الظُّلمة، فالتمِسوا هنالك النور (1) . (14/ 269)
75592 - عن أبي أُمامة الباهلي -من طريق يوسف بن الحجاج- قال: تُبعث ظُلمة يوم القيامة، فما من مؤمن ولا كافر يرى كفّه، حتى يبعث اللهُ بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيَتبَعهم المنافقون، فيقولون: {انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ} (2) . (14/ 269)
75593 - عن سليم بن عامر، قال: خرجنا على جنازةٍ في باب دمشق، ومعنا أبو أُمامة الباهلي، فلمّا صلّى على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أُمامة: أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزلٍ تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزلٍ آخر، وهو القبر؛ بيت الوحدة، وبيت الظّلمة، وبيت الدود، وبيت الضِّيق، إلا ما وسّع الله، ثم تَنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنّكم لَفي بعض تلك المواطن حتى يَغشى الناسَ أمرُ الله، فتَبْيضّ وجوهٌ، وتَسودّ وجوهٌ، ثم تنتقلون منه إلى موضع آخر، فتغشى الناس ظُلمة شديدة، ثم يُقسَم النور، فيُعطى المؤمن نورًا، ويُترك الكافر والمنافق فلا يُعطَيان شيئًا، وهو المثَل الذي ضرب الله في كتابه: {أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ} إلى قوله: {فَما لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] ، ولا يستضيء الكافرُ والمنافقُ بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى ببَصر البصير، ويقول المنافق للذين آمنوا: {انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا ورَآءَكُمْ فالتَمِسُواْ نُورًا} . وهي خُدعة الله التي خدع بها المنافقين، حيث قال: {يُخادِعُونَ اللَّهَ وهُوَ خادِعُهُمْ} [النساء: 142] ، فيرجعون إلى المكان الذي قُسِم فيه النور فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم، وقد ضُرِب بينهم بسُورٍ له باب {باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ يُنادُونَهُمْ ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} نُصلّي صلاتكم، ونغزو مغازيكم؟! {قالُوا بَلى} إلى قوله: {وبِئْسَ المَصِيرُ} . يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافقُ مغترًّا حتى يقسم النور، ويميز الله بين المؤمن والمنافق (3) . (14/ 268)
(1) أخرجه ابن جرير 22/ 401، وبنحوه من طريق الضَّحّاك. وعزاه السيوطي إلى البيهقي في البعث، وابن مردويه.
(2) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 8/ 42 - .
(3) أخرجه ابن المبارك (368 - زوائد نعيم) ، وابن أبي الدنيا في الأهوال 6/ 194 - 195 (140) ، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 8/ 42 - ، والحاكم 2/ 400، والبيهقي في الأسماء والصفات (1015) .
قال محقق الأسماء والصفات: «موقوف، صحيح الإسناد» . وزاد ابن أبي الدنيا في آخره: «يقول سليم: فما يزال المنافق مغترًّا حتى يقسم النور، ويميز الله بين المؤمن والمنافق» .