يفسرون إلا ما يشكل، نعم قد يكون هذا هو المنهج الأغلب، لكن التفسير التحليلي كان له حضور متقدم، وليس من بدع المتأخرين، وحسبك بهذه الفائدة العزيزة في تاريخ التفسير (1) .
علوم القرآن:
لم تكن نسخ التفسير مقتصرة على التفسير فحسب؛ بل ظهرت نسخ في بعض علوم القرآن المتعلقة بالتفسير وبغيره فكانت من أوائل ما دُوِّن من تلك العلوم، ومن أشهر تلك النسخ المدونة:
في الناسخ والمنسوخ:"الناسخ والمنسوخ"لقتادة (ت: 117 هـ) ، ومثله للزهري (ت: 124 هـ) ، وهما مطبوعان (2) ، وكذلك لزيد بن أسلم (ت: 136 هـ) (3) .
في المكي والمدني:"نزول القرآن"للضحاك بن مزاحم (ت: 104 هـ) ، ومثله لعكرمة (ت: 105 هـ) ، وكذلك للحسن البصري (ت: 110 هـ) (4) ، وكتاب"تنزيل القرآن بمكة والمدينة للزهري" (ت: 124 هـ) ، وهو مطبوع (5) .
والخلاصة: أنه ظهرت في عصر التابعين نسخ التفسير المضمومة في كتب مستقلة، مروية بإسناد واحد عن أحد مفسري الصحابة أو التابعين، ثم جاء نقلة التفسير من أتباع التابعين ومن بعدهم فرووا تلك النسخ وجمعوها، ثم جزؤها ورتبوها على ترتيب سور القرآن وآياته في مصنفات شاملة (6) ، فكانت اللبنة
(1) للتوسع ينظر: تفسير أتباع التابعين: ص 312 - 319.
(2) حققهما: د. حاتم الضامن في جزء لطيف مع كتابين آخرين في النسخ. وآثارهما مبثوثة في هذه الموسوعة.
(3) وهي نسخة نفيسة أوردها ابن وهب في جامعه، وتقدم الحديث عنها في مصادر الموسوعة. وآثارها مبثوثة في هذه الموسوعة.
(4) حققه: د. حاتم الضامن في جزء لطيف.
(5) ذكر هذه الكتب الثلاثة ابن النديم في الفهرست ص 40.
(6) وهذا مثل صنيع المحدثين في نسخ الحديث وصحائفه المتقدمة، ونذكر مثالًا لذلك: الصحيفة الصحيحة التي كتبها همام بن منبه عن أبي هريرة عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، تشتمل على نحو من مائة وأربعين حديثًا، تروى بإسناد واحد، أودعت كاملة في مسند أحمد، وقطعت وفق الأبواب الفقهية في الصحيحين وغيرهما، ينظر: تاريخ تدوين السُّنَّة ص 79، 80. وهكذا نسخ التفسير المروية عن التابعين كسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسُّدي قطعت مرتبة حسب الآيات، وأودعت في دواوين كتب التفسير المسندة كتفسير ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، لذا ترى أسانيدها المتكررة في ثنايا التفسير لا تكاد تغيب.