أما الاستناد إليهما في بيان المعاني فصحيح معتبر؛ فإن الاحتجاج بالقراءة الصحيحة -بشروطها الثلاثة السابقة- من جنس الاحتجاج بالقرآن الكريم؛ لأن كل قراءة صحيحة بمثابة آية مستقلة، وذلك أن كيفيات أداء الكلمات القرآنية إنما ثبتت بتنزيل من اللَّه تعالى ذكره، فعن عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" (1) ، قال ابن تيمية (ت: 728 هـ) :"وقد بيَّنَّا أن القراءتين كالآيتين، فزيادة القراءات كزيادة الآيات" (2) ، وقال الشوكاني (ت: 1250 هـ) :"وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين" (3) ، وقال الشنقيطي (ت: 1393 هـ) :"إن القراءتين إذا ظهر تعارضهما (4) في آية واحدة لهما حكم الآيتين كما هو معروف عند العلماء" (5) .
أما الاحتجاج بالقراءات الشاذة على المعاني فالعلماء فيه على رأيين، أصحهما: صحة الاحتجاج بالقراءات الشاذة، وهو مذهب أبي حنيفة (ت: 150 هـ) ، والشافعي (ت: 204 هـ) ، وأحمد (ت: 241 هـ) ، وعليه أكثر العلماء، وعامة المفسرين، وذكره ابن عبد البر (ت: 463 هـ) إجماعًا (6) ، ولا يكاد يرى أثر هذا الخلاف في كتب التفسير، بل الأصل فيها نقل هذه القراءات، والاحتجاج بها ضمن قواعد الاستدلال المعتبرة، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 224 هـ) :"فأما ما جاء من هذه الحروف التي لم يؤخذ علمها إِلا بالإسناد والروايات التي تعرفها الخاصة من العلماء دون عوام الناس فإنما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللوحين، ويكون دلائل على معرفة معانيه، وعلم وجوهه، وذلك كقراءة حفصة وعائشة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) [البقرة: 238] (7) ، وكقراءة ابن مسعود: (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) [لمائدة: 38] (8) . .، فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسرةً للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روي عن لباب أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صار في"
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 6/ 194 (5041) ، ومسلم في صحيحه 2/ 422 (818) .
(2) مجموع الفتاوى 13/ 400.
(3) فتح القدير 1/ 226.
(4) القراءات المقبولة لا تتعارض، بل تتخالف.
(5) أضواء البيان 2/ 11.
(6) الاستذكار 2/ 35. وينظر: فضائل القرآن، لأبي عبيد ص 195، ومجموع الفتاوى 20/ 260، ومختصر ابن اللحام ص 72، وشرح الكوكب المنير 2/ 139.
(7) قراءة شاذة. ينظر: قراءات النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، للدوري ص 77، والمصاحف 1/ 352، 365، 371.
(8) قراءة شاذة. ينظر: القراءات الشاذة، لابن خالويه ص 33.