وما صحت الأخبار عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مما لا معارض له، وما جاء عن الألباء من الصحابة؛ ما اتفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين، فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم" (1) ، وقال ابن تيمية (ت: 728 هـ) :"إجماعهم لا يكون إِلا معصومًا، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم" (2) ، وقال الشاطبي (ت: 790 هـ) :"كل ما جاء مخالفًا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه" (3) ."
قال ابن القيم (ت: 751 هـ) :"وهذا منصوص أبي حنيفة، ومذهب مالك، ونصَّ عليه أحمد، والشافعي في القديم والجديد، وصرح به محمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وهو قول جمهور الحنفية، وأصحاب مالك، وجمهور أصحاب أحمد" (4) ، وقال:"وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي" (5) .
ومن شواهد اعتماد الأئمة الخمسة أقوال السلف ما جاء في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] ، حيث اختلف السلف في تفسيرها على قولين: الأول: سكر الخمر. والثاني: سكر النوم. ورجح ابن جرير (ت: 310 هـ) الأول، مستندًا إلى أقوال الصحابة وسبب النزول، فقال:"وذلك للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن ذلك كذلك نهي من اللَّه، وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه" (6) . ورجح ابن عطية (ت: 541 هـ) بعض الأقوال فقال:"والذي عليه الناس أقوى مما ذكره ابن إسحاق" (7) . وبنحو هذا أيضًا رجح في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] ؛ مستندًا إلى أقوال السلف، فقال:"فمجموع هذا يقتضي أن الجبت والطاغوت هو: كل ما عبد وأطيع من دون اللَّه تعالى. وكذلك قال مالك رحمه اللَّه: الطاغوت كل ما عبد من دون اللَّه تعالى" (8) .
(1) الفقيه والمتفقه 1/ 432.
(2) مجموع الفتاوى 13/ 24.
(3) الموافقات 3/ 284.
(4) إعلام الموقعين 5/ 550. وينظر: مجموع الفتاوى 20/ 14.
(5) إعلام الموقعين 5/ 554. وينظر: بيان تلبيس الجهمية 6/ 401، وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة ص 36، والصارم المنكي ص 318، والموافقات 4/ 457.
(6) جامع البيان 7/ 49.
(7) المحرر الوجيز 2/ 205.
(8) المحرر الوجيز 2/ 580.