المواريث لتكون لمن بعدكم"، فكبر عمر -رضي اللَّه عنه-" (1) ، وهنا يبرز الاستدلال العقلي على المعاني؛ فإن المواريث فرضت في مال يبقى، وكذا الزكاة بعض من مال موجود، فلو كان الكنز المذموم مطلق جمع المال لما كان لتشريع الزكاة وفرائض المواريث معنًى.
ومن شواهد الاستناد إلى الدلالات العقلية عند الأئمة الخمسة، ما ورد في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106] ، حيث رجح ابن جرير (ت: 310 هـ) أن المعني بهذا: عموم الكفار، وأن الإيمان المنسوب إليهم في الآية هو: العهد الذي أخذه اللَّه منهم وهم في صلب أبيهم آدم. فقال:"وذلك أن اللَّه جلَّ ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه، فمعلوم إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفار داخلون في فريق من سود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بيض وجهه، فلا وجه إذًا لقول قائل عنى بقوله: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} بعض الكفار دون بعض، وقد عمَّ اللَّه جلَّ ثناؤه الخبر عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك" (2) ، وبنحوه قال ابن كثير (ت: 774 هـ) (3) . وقال ابن عطية (ت: 541 هـ) منتقدًا بعض الأقوال:"وفي هذا القول نظر؛ لأن التحكم فيه باد" (4) . ورجح ابن عطية (ت: 541 هـ) في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] أن الأمر بالتسبيح:"معناه: قل: سبحان اللَّه، وقال قوم: معناه: صل. والقول الأول أصوب؛ لأنه يناسب الذكر، ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس" (5) .
(1) أخرجه أبو داود في السنن 2/ 126 (1664) ، وأحمد في فضائل الصحابة 1/ 374 (560) ، وأبو يعلى في المسند 4/ 378 (2499) ، والبيهقي في السنن 4/ 83 (7027) ، وهو حديث حسن لغيره؛ تنظر شواهده في مسند أحمد 5/ 278 (22446) ، وجامع الترمذي 5/ 277 (3094) ، وسنن ابن ماجه 1/ 596 (1856) ، والكافي الشاف، لابن حجر 2/ 258، وتفسير ابن كثير 7/ 185.
(2) جامع البيان 5/ 666.
(3) تفسير القرآن العظيم 2/ 92.
(4) المحرر الوجيز 2/ 60.
(5) المحرر الوجيز 2/ 216.