منذ أنْ ختم الله تعالى الأديان كلَّها بالإسلام, وختم الأنبياء والرسُل كلَّهم بمحَمَّد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم -, وختم الكتبَ السماويةَ كلَّها, بالقرآن الكريم، وهذا الكتاب المنزَّل هو محطُّ اهتمام المسلمين, وغير المسلمين, بالتفسير والتحليل, والسعي إلى فهمه وتمثُّله من المسلمين, والوقوف على أسرار تأثيره في النفوس من غير المسلمين (5) .
تَعرَّفَ كثيرٌ من المستشرقين الأوائل على النصِّ القرآني من خلال ترجمة المستشرقين أنفسهم لمعانيه إلى اللغات الأوروبية, التي اعتمد لاحقها على سابقها, مما كان سببًا من أسباب الالتفات عن الإعجاز في القرآن الكريم. ويمكن القول إنَّه من تعرَّض لنصِّ القرآن الكريم, من المستشرقين والعلماء الغربيين, بلغته العربية كانت له مواقفُ أكثر نزاهةً ممَّن تعرَّضوا للنص القرآني مترجَمًا من مستشرقين.
الذين تعرَّضوا للقرآن الكريم من منطلق أدبي كانوا أكثر تركيزًا على إعجاز القرآن الكريم. ولا تكاد دراسات المستشرقين عن أدب العصر الجاهلي تخلو من التعرُّض للقرآن الكريم, على اعتبار أنَّ القرآن الكريم معجزٌ بلاغةً, كما أنَّه معجز من نواحٍ أخرى مختلفة (6) .
لا يتوسَّع هذا البحث للحديث عن الإعجاز نفسه, فمنذ أنْ درس المسلمون الإعجاز البياني في القرآن الكريم, منذ علي بن عيسى الرمَّاني الإخشيدي الورَّاق (276 ـ 384هـ) في كتابه: الجامع لعلم القرآن, وحمد بن محَمَّد بن إبراهيم بن الخطَّاب البُستي"الخطَّابي" (319 ـ 388هـ) في كتابه: إعجاز القرآن, ومحَمَّد بن الطيِّب بن محَمَّد بن جعفر بن القاسم البصري الباقلاَّني (338 ـ 403هـ) , في كتابه: إعجاز القرآن, والإنتاج العلمي في هذا المجال يزداد مع الزمن (7) .
يمكن القول, دون تعميم: إنَّ دراسات المستشرقين الأوائل حول المعلومة الشرعية لا تكاد تخلو من الخلل, إمَّا أن يكون غير مقصود, أو يكون متعمَّدًا. ذلك أنَّ هؤلاء الدارسين للمعلومة قد افتقدوا إلى عاملين مهمَّين؛
أوَّلهما: الافتقار إلى الانتماء إلى هذه المعلومة, وما تمثِّله من ثقافة، ومن ثمَّ أعطاهم عدمُ الانتماء الجرأةَ في الحكم والتحليل, دون النظر إلى التأثير, ولو كان هذا التأثير سلبيًا.
العامل الثاني: هو افتقارهم إلى الإلمام باللغة التي جاءت بها المعلومة الشرعية، وهي, هنا, اللغة العربية، رغم محاولاتهم الجادَّة للسيطرة عليها (8) .
هذا العامل الثاني أخفُّ بكثير من العامل الأوَّل، ولكنَّ تأثيرَه بدا واضحًا, من خلال اضطرار المستشرقين إلى الاستعانة بالضليعين باللغة العربية من العلماء والأدباء العرب, يقرأون لهم, وينسخون ما يكتبون. وقد حرصوا على أصحاب الخطوط الجميلة, في ضوء تعميم المطبعة ووسائل الاستنساخ الحديثة, ومن هؤلاء العلماء والأدباء (مرتَّبة أسماؤهم هجائيًا) : إبراهيم شيُّوخ, وابن أبي شنب, وأحمد تيمور, وأحمد زكي, وأحمد عبيد, وإحسان عبَّاس, والقاضي إسماعيل الأكوع, وحسن حسني عبدالوهَّاب, وحمد الجاسر, وصلاح الدين المنجِّد, والشيخ طاهر الجزائري, والعابد الفاسي, وعبدالحيّ الكتَّاني, وفؤاد سيِّد, والفقيه التطواني, وقاسم الرجب, وكوركيس عوَّاد, ومحَمَّد إبراهيم الكتَّاني, ومحَمَّد رشاد عبدالمطلِّب, ومحَمَّد محمود بن التلاميذ التركزي الشنقيطي, ومحَمَّد المنوني, ومحَمَّد يوسف نجم, ومحمود محَمَّد الطناحي (9) .
يقول رشيد رضا في كتابه: الوحي المحَمَّدي: «إنَّ ترجمات القرآن التي يعتمد عليها الإفرنج في فهم القرآن كلها قاصرة عن أداء معانيه التي تؤدِّيها عباراته العليا وأسلوبه المعجز للبشر. وهي إنما تؤدِّي بعض ما يفهمه المترجم له منهم, إنْ كان يريد بيان ما يفهمه. وإنَّه لمن الثابت عندنا أنَّ بعضهم تعمَّدوا تحريف كلمه عن مواضعه. على أنَّه قلَّما يكون فهمهم تامًّا صحيحًا. ويكثر هذا فيمن لم يكن به مؤمنًا, بل يجتمع لكلٍّ منهم القصوران كلاهما: قصور فهمه وقصور لغته» (10) .
يعترف المستشرق الفرنسي المعاصر جاك بيرك أنَّ محاولته ترجمة معاني القرآن الكريم «ليست غير محاولة لتفسير معاني القرآن الكريم؛ لأنَّ الترجمة الحقيقية للنصِّ القرآني مستحيلة, فألفاظ وعبارات القرآن الكريم لها مدلولات ومؤشِّرات عميقة, ولا تستطيع اللغة (القابلة) أنْ تنقلها بكلِّ ما تحتويه من معانٍ ظاهرة وخافية» (11) .
يقول مصطفى عبدالغني: «إنَّ مراجعة ترجمة جاك بيرك, هنا, تشير إلى أنَّه ـ مثل عدد من المستشرقين ـ رغم استخدامه لعدد من المناهج الغربية الجديدة على النصِّ, فإنَّه ما زال يحمل رواسبَ تاريخيةً واجتماعيةً خاصَّةً في التفسير أكثر من محاولة صارمة في المنهج» (12) .
اصطَلَح المسلمون على أنْ يطلقوا على عملية نقل القرآن الكريم, وترجمته من اللغة العربية إلى أيِّ لغة أخرى, ترجمة معاني القرآن الكريم (13) , ويتحرَّج المسلم العالِمُ من إطلاق الترجمة على القرآن الكريم, دون أن تكون مقيَّدةً بترجمة المعنى (14) .