كان هذا مخرَجًا حفِظَ للقرآن الكريم مكانته, بلغته العربية، ودفع كثيرين من غير العرب إلى تعلُّم اللغة العربية, ليستطيعوا تذوَّق القرآن الكريم, باللغة التي نزل بها. كما أنَّه كان مخرجًا لتعدُّد ترجمات المعاني في اللغة الواحدة, على أيدي أبنائها وغير أبنائها، بل ربَّما تعدَّدت ترجمة المعاني باللغة الواحدة على يد مترجم واحد، حيث يتبيَّن له دائمًا التقصير الذي يعتريه, مع كل ترجمة للمعاني. وهذا من طبع البشر (15) .
يقول عبدالله بن عبدالمحسن التركي في مقدِّمته للتفسير الميسَّر: «كان غير العرب ـ بمجرَّد دخولهم في الإسلام ـ يتعلَّمون لغة العرب, ليقرؤوا القرآن ويفهموه ويعملوا به. وحينما انحسر المدُّ الإسلامي, وضعُف المسلمون, وقلَّ الاهتمام بالعلوم الإسلامية ولغتها العربية, ظهرت الحاجة إلى ترجمة معاني كتاب الله لمن لا يتكلَّم اللغة العربية ولا يفهمها, إسهامًا في تبليغ رسالة الإسلام للناس كافَّة, ودعوةً لهم إلى هدي الله وصراطه المستقيم.
وتعدَّدت الترجمات, ودخل في الميدان من ليس أهلاً له, بل قام بذلك أناسٌ من غير المسلمين, ممَّا جعل الحاجة ملحَّةً إلى أنْ يعتني المسلمون بتوفير ترجمات صحيحة لمعاني كتاب الله, وبيان ما في بعض الترجمات من أخطاء وافتراء ودسٍّ على كتاب الله الكريم, ورسالة نبيِّنا محَمَّد - صلى الله عليه وسلم -» (16) .
الاهتمام بالقرآن الكريم من قبل الغربيين أدَّى إلى ترجمتهم لمعانيه إلى لغاتهم, وهم غربيون, بمفهوم أنَّهم غير مسلمين. ورغم كثرتها إلا أنَّ أبرزها ترجمة المستشرق الإنجليزي جورج سيل (1697 ـ 1736م) إلى اللغة الإنجليزية, التي وضع لها مقدِّمة, قرَّر فيها أنَّ سيِّدنا محَمَّد بنَ عبدالله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي ألَّف القرآن الكريم ـ كما سيأتي ذكره ـ وإنْ كان لم يستبعد أنْ يكونَ قد عاونه أحد من حكماء عصره, من بني قومه, أو من اليهود والنصارى! (17) "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ" [ النحل: 103] .
أعقب ذلك نقولٌ أخرى عن هذه الترجمة. وكان هذا التأثير سلبيًا، ولعلَّه كان مقصودًا؛ لصرف الآخر عن التعلُّق بالإسلام, من خلال تقديم المعلومة الشرعية الصحيحة, بالترجمة الدقيقة للمصدر الأوَّل لهذه المعلومة. هذا في ضوء غياب جهود المسلمين القادرين على تقديم المعلومة الصحيحة, من خلال الترجمة الدقيقة لمعاني القرآن الكريم, وانشغال المسلمين, في حينها, بالنظر في مشروعية النقل والترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى.
لا شكَّ في أنَّ هذا الموقف من المعلومة الشرعية كان له, في مجتمع هؤلاء الدارسين, تأثيره السلبي عليها، إذ أسهم هذا الأسلوب في إبعاد الناس عن المعلومة الشرعية الصحيحة، بما في ذلك الالتفات إلى الوقفات العلمية الكونية القائمة وقت نزول الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, أو تلك الحقائق العلمية التي تحقَّق بعضها بعد نزول الوحي, أو تلك التي لا تزال تخضع للاكتشاف المتواصل مع التقدُّم العلمي والتقاني.
هذا الالتفات عن هذا الجانب الحيوي في كتاب الله تعالى أسهم في ضعف فهم الإسلام, أو في سوء فهمه من قبل الغربيين، مما كان له تأثيره على الإقبال على هذا الدين, الذي يقوم على المعلومة الشرعية الصحيحة.
التركيز, هنا, مخصَّص لمحاولات فهم الجانب الإعجازي في القرآن الكريم من أولئك الذين لا ينتمون إليه، ولا يتحدَّثون لغته العربية، ممَّا أدَّى إلى قيام محاولات لترجمة معانيه إلى لغاتهم, تعود إلى القرن السادس الهجري (سنة 536هـ) , الثاني عشر الميلادي (سنة 1141م) , حينما بدأ بطرس المحترم الكلوني هذا الجهد، وتولَّى الترجمة له الراهب الإنجليزي روبرت (روبرتوس كيتينيسيس) الكلوني, وكان, هو والراهب الآخر هيرمان الدالماتي, الذي ترجم النبذة المختصرة, ملمِّين باللغة العربية, وكانت هذه الترجمة «تزخر بأخطاء جسيمة, سواءٌ في المعنى أو في المبنى, ولم يكن أمينًا, إذ أغفل ترجمة العديد من المفردات, كما لم يتقيَّد بأصل السياق, ولم يُقم وزنًا لخصوصيات الأدب» , كما يقول يوهان فوك (18) .
يُضيف عبدالرحمن بدوي إليهما كلاًّ من روبرت كينت, وعربي مسلم يُدعى محَمَّدا, «ولا يُعرف له لقب ولا كنية ولا اسم آخر» (19) . ويذكر محَمَّد عبدالواحد العسري أنَّ من التراجمة أحدَ المسلمين المنقلبين عن دينهم الأصلي إلى النصرانية (20) . كما يذكر محَمَّد عوني عبدالرؤوف «أنَّ أحد المغاربة من المتفقِّهين في التفسير والدين كان يمُدُّ له يدَ المساعدة دائمًا» (21) .
ومع هذا فلم تكن هذه الترجمة أمينةً, «فقد كانت تعاني من نقص شديد في مواطنَ كثيرةٍ, فهي شرح للقرآن أكثر من كونها ترجمةً. لم يُعنَ بأمانة الترجمة ولا بتركيب الجملة, ولم يُعِر البيانَ القرآنيَّ أيَّ التفات, بل اجتهد في ترجمة معاني السور وتلخيصها, بصرف النظر عن موضوع الآيات التي تعبِّر عن هذه المعاني بالسورة نفسها» (22) .