فهرس الكتاب

الصفحة 10046 من 27364

إلا أنَّ هذه الترجمة لم يتمّ طبعها إلا بعد أربع مئة سنة من ترجمتها, أي في منتصف القرن العاشر الهجري, (سنة 950هـ) , منتصف القرن السادس عشر الميلادي (سنة 1543م) , حيث طبعت في بازل بسويسرا, إذ تولَّد جدل لدى رجال الدين في الكنيسة حول جواز نشر القرآن الكريم بين رعايا الكنيسة, ومدى تأثيره على مشروع حماية النصارى من الإسلام (23) . ثمَّ صدرت الطبعة الثانية منها, في بازل بسويسرا, كذلك, سنة 957هـ/1550م (24) . تلاها, مباشرة, محاولة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللاتينية، وقام بها جمعٌ من رهبان ريتينا. وقيل إنَّ هذه الترجمة قد أُحرقت (25) .

تعاقبت الترجمات, مستندة إلى ترجمة روبرتوس الكلوني, وعلى أيدي المستشرقين, فقد صدرت أقدمُ ترجمة إلى الإيطالية سنة 954هـ/1547م, ثم صدرت عن الترجمة الإيطالية ترجمة ألمانية سنة 1025هـ/1616م, على يد سالومون شفايجر, وعن الألمانية صدرت ترجمة إلى الهولندية سنة 1051هـ/1641م, غير معلومة اسم المترجم, ثم إلى الفرنسية, حيث ترجمها رير سنة 1057هـ/1647م (26) . وكلُّها كانت عالةً على ترجمة روبرتوس, حتى ظهرت ترجمة لودفيجو ماراتشي إلى الإيطالية سنة 1110هـ/1698م, «التي لا سبيل إلى مقارنتها, من حيث صحَّتُها, مع أيِّ ترجمة أخرى قبلها» (27) .

الدافع لترجمة معاني القرآن

يُعيد الدارسون ترجمةَ معاني القرآن الكريم, المتقدِّمة تاريخيًا, إلى دوافع تنصيرية بالدرجة الأولى، وهذا مبني على القول بأنَّ الاستشراقَ قد انطلق من الدافع التنصيري، والديني بصورة أعمَّ.

يقول ريجي بلاشير عن بوادر ترجمة معاني القرآن الكريم التي انطلقت من بطرس المحترم سنة 536 ـ 538هـ/1141 ـ 1143م: «كانت المبادرة قد انبثقت عن ذهنية الحروب الصليبية. هذا ما تثبته الرسالة التي وجَّهها بطرس المحترم إلى القدِّيس برنار, مرفقةً بنسخة من الترجمة التي كانت قد أُعِدَّت, كما انبثقت في الوقت ذاته عن الرغبة الشديدة لإزالة كل أثر للإيمان الأول, من أذهان المسلمين المهتدين. وفي رأينا أنَّ الأهميَّة التي اتَّخذها القرآن في هذا المجال قد تجلَّت في الروح العسكرية التي استمرَّت حميَّتها حتَّى بداية القرن الرابع عشر, دليلنا على ذلك في الحماسة التبشيرية عند ريمون لول المتوفَّى في بورجي سنة 1315م» (28) .

يقول يوهان فوك, حول هذا الارتباط, أيضًا: «ولقد كانت فكرة التبشير هي الدافع الحقيقي خلف انشغال الكنيسة بترجمة القرآن واللغة العربية. فكلَّما تلاشى الأمل في تحقيق نصر نهائي بقوَّة السلاح, بدا واضحًا أنَّ احتلال البقاع المقدَّسة لم يؤدِّ إلى ثني المسلمين عن دينهم, بقدر ما أدَّى إلى عكس ذلك, وهو تأثُّر المقاتلين الصليبيين بحضارة المسلمين وتقاليدهم ومعيشتهم في حلبات الفكر» (29) .

تنطلق ترجمة معاني القرآن الكريم, بعد أفول حملات الفرنجة (الصليبيين) ، وبالتحديد من دير كلوني, بأمر من رئيس الدير بطرس المحترم/الموقَّر, كما مرَّ ذكره (30) . ويؤكِّد محَمَّد ياسين عريبي في كتابه: الاستشراق وتغريب العقل التاريخي العربي، ارتباط ترجمات معاني القرآن الكريم بالتنصير (31) . كما يؤيِّده في هذا محَمَّد عوني عبدالرؤوف في أنَّ «الفكرة من الترجمة إذًا قد كانت من الكنيسة بعد أنْ اقتنعت أنَّ النصر لن يكون بالسلاح» (32) .

يؤكِّده, كذلك, الباحثُ الدكتور محَمَّد بن حمَّادي الفقير التمسماني, في بحث له بعنوان: تاريخ حركة ترجمة معاني القرآن الكريم من قبل المستشرقين ودوافعها وخطرها. حيث يجعل «حملات التبشير النصرانية, أحد أسباب بداية نشأة الاستشراق» (33) .

يؤيِّده على هذا التوجُّه الأستاذ الدكتور محَمَّد مهر علي, في بحث له بعنوان: ترجمة معاني القرآن الكريم والمستشرقون: لمحات تاريخية وتحليلية ، حيث يؤكِّد الأستاذ الباحث أنَّ ترجمات معاني القرآن الكريم من قبل المستشرقين لم تلقَ إقبالاً إلا لدى الدوائر التنصيرية (34) .

يؤيِّدهما, كذلك, الدكتور عبد الراضي بن محَمَّد عبدالمحسن في بحث له بعنوان: مناهج المستشرقين في ترجمات معاني القرآن الكريم: دراسة تاريخية نقدية، الذي يرى أنَّ التنصيرَ كان وراء ترجمة معاني القرآن الكريم، حيث انطلقت الترجمة في رحلتها الأولى والثانية من الأديرة, وعلى أيادي القسُس, وأنَّ فكرة التنصير كانت وراء ترجمة معاني القرآن الكريم (35) .

هذا يؤكِّد أهمية اضطلاع المسلمين أنفسِهم بمهمَّة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات العالم، كما قام به بعض أبناء هذه الأُمَّة مؤخَّرًا، وكما تقوم به مؤسَّسات علمية عربية وإسلامية, لها اعتباراتها المرجعية, ومنها, على سبيل المثال, الأزهر الشريف ومجمَّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنوَّرة, حيث وصلت ترجمات معاني القرآن الكريم الصادرة عن هذا المجمَّع إلى أكثر من أربعين لغة. وهذا جهد يذكر ويشكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت