سهيلة زين العابدين حمَّاد 23/11/1423
لقد تعرَّف الغرب بالشرق عبر قرون طويلة عن طريق عدد كبير من الكتاب والرحالة والجغرافيين والمؤرخين، والشرق الذي عرفته أوروبا قديماً يمتد من سواحل البحر المتوسط غرباً إلى البحار الشرقية النائية، وقد اختلفت وسائل اتصال أوروبا بالشرق باختلاف أهدافها وبواعثها من وراء هذا الاتصال .
وكانت بداية هذه العلاقات ترجع إلى أيام الكنعانيين، وكانت علاقات تجارية، ثُمَّ تلتها علاقات حرب واحتلال، إذ قامت الحرب الفارسية اليونانية (499-449ق.م) ، وكانت الغلبة في البداية للفرس ثُمَّ أخرجهم اليونان من بلادهم.
وفي أواخر القرن الرابع"قبل الميلاد"قام الإسكندر المقدوني باحتلال آسيا الصغرى، وبعض أواسط آسيا، واستمر في حربه حتى وصل أبواب الصين، وقد عاجلته المنية، ولم يتعد عمره ثلاثين عاماً، وتوفي عام 323ق.م .
وعندما اجتاح الإسكندر المقدوني الشرق فكَّر في احتلال الجزيرة العربية، بعدما تمَّت له الغلبة على مصر والهلال الخصيب ؛إذ كان وقتها في بابل، فأرسل بعثة استطلاعية تتسقط له المعلومات اللازمة؛ تمهيداً للاستيلاء على هذه الأصقاع المليئة بالغموض والأسرار الصعبة الاختراق، فبنى أسطولاً قوياً، واتخذ مدينة بابل قاعدة للانطلاق، وأمَّر على أسطوله قائده"أرخياس"A r chias الذي عبر الخليج العربي، وصل إلى جزيرة البحرين الحالية، وكان يطلق عليها في ذلك الوقت اسم"أيلوس"وقدَّمت البعثة البحرية وغيرها من البعثات الأخرى تقارير وافية عن المناطق التي وصلت إليها، تناولت السكان والإنتاج والمبادلات التجارية، والوصف"الطبوغرافي"للأرض، والطرق السهلة التي يمكن لجيش جرار المرور منها في صحراء قاحلة خالية من الماء، ومن كل الوسائل المريحة التي يحتاج إليها جيش مقبل على احتلال أصقاع لم يخترقها أحد قبل ذلك التاريخ .
فأخذ المهتمون بهذه الحملات تسجيل العديد من المعلومات عن الأرض الشرقية التي احتلوها، ودَّونوا كثيراً من الروايات الشفهية والسماعية عن أرض أخرى كان في نية الإسكندر ابتلاعها .
بداية الاستشراق:
من وجهة نظري فإن بداية الاستشراق كانت من عهد الإسكندر المقدوني، وكما رأينا فإنه قام لأهداف السيطرة والاحتلال، ومنذ هذا التاريخ كان المستشرقون المهتمون بالدراسات الشرقية مبعث اهتمامهم بهذه الدراسات يعود في المقام الأول إلى خدمة أهداف بلادهم في السيطرة على الشرق، وعند ظهور الإسلام أضيف إلى هذا الهدف هدف آخر هو محاربة الإسلام بتشويه صورته، وصورة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - في الشرق والغرب، وتاريخ الاستشراق الطويل يشهد بهذا.
كشف حقيقة الاستشراق:
وقد كشف القناع عن حقيقة الاستشراق بعض الباحثين العرب مثل الأستاذ"أنور عبد الملك"الذي نشر مقالة له بعنوان"الاستشراق في أزمة"ونشر بالفرنسية في مجلة"ديوجين"سنة 1963م في العدد رقم 44ومن المستشرقين الذين ردَّوا عليه المستشرق الإيطالي"فرانسيسكو جابوبيلي"في مقالة نشرت له في مجلة"ديوجين"العدد"50"سنة 1965م كما رد عليه المؤرخ الفرنسي اليهودي"كلود كاهين"في نفس المجلة والعدد، وكذلك المستشرق الفرنسي اليهودي"مكسيم ردونسون"،حيث رد عليه ضمنياً في كتابه"جاذبية الإسلام".
ثُمَّ أعقبه كتاب الاستشراق للدكتور"إدوارد سعيد"أستاذ الأدب الإنجليزي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، وقد صدر بالإنجليزية عام 1978م ،وكانت له أصداء واسعة ،وقد ردَّ عليه كل من المستشرق اليهودي الفرنسي مكسيم ردونسون ،وكلود كاهين ،والمستشرق اليهودي البريطاني الأمريكي"برنارد لويس"، وكذلك"ألان ردسون"، كما كان لبحوث عبد النبي أصطيف، وهو يعمل بكلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد ،وممن عقَّب على كتاباته"ألان ردسون".
هذه البحوث والدراسات والمقالات قد زلزلت الأوساط الاستشراقية وجعلتهم يقررون في المؤتمر الدولي التاسع والعشرين للمستشرقين الذي عقد في باريس بمناسبة الذكرى المئوية لأول مؤتمر دولي للمستشرقين في صيف عام 1973م أن يقذفوا بمصطلح"مستشرق"في مزبلة التاريخ على حد تعبير"برنارد لويس"، ولكن في الوقت نفسه أعلنوا عن تمسكهم بمناهجهم التي اتبعوها في دراساتهم، وأنَّهم لن يتخلوا عنها لإرضاء العرب.
الاستشراق الأمريكي الجديد:
وهكذا نجد أنَّهم قد تخلوا عن المصطلح، ولكنهم لم يتخلوا عن المنهج والأهداف والأغراض، لذا نجدهم استبدلوا كلمة"استشراق""بمراكز المعلومات"، أو"دراسات الشرق الأوسط".
وهذا هو الثوب الجديد للاستشراق الجديد، ولا سيما الاستشراق الأمريكي .