ومن هنا نجد بعض الباحثين المسلمين قد انخدع بهذا المصطلح الجديد، وهو الأستاذ"مرسي سعد الدين"الذي يرى أنَّ هذا النوع من الاستشراق يدخل في إطار جمع المعلومات، وهو ناتج عن رغبة حقيقية في البحث نابعة من ذات المستشرق، وليس بإيعاز من أجهزة المخابرات، ويرى أنَّ هذا النوع من الاستشراق يمثله الاستشراق الأمريكي الجديد، ويضيف قائلاً:"وإن كانت هذه الدراسات تساعد أمريكا مثلاً على رسم سياستها تجاه دول المنطقة، ويؤكد على أنَّ دراسات المستشرقين الأمريكان الجدد عن مصر الفرعونية، ومصر الإسلامية، وعن الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الظروف الحالية، وعن الحركة العمَّالية، والمجتمع الريفي، ووضع المرأة والطبقة الوسطى أنَّها لم تكتب لغرض استعماري ،وإنَّما هي بحوث نتيجة لتجارب كتابها."
وقد كتب هذا في مقال نشر في الأهرام في 24/8/1999م، بعنوان"الاستشراق الجديد"والأستاذ"مرسي سعد الدين"متفائل جداً، فهو يجزم أنَّ هذه الدراسات بإيعاز من أجهزة المخابرات، وليس لأغراض استعمارية، مع أنَّ ما ذكره من نوعية الدراسات يؤكد لنا أنَّ الغرض استعماري.
أهداف الاستشراق:
فالاهتمام بمصر الفرعونية هذا من أهداف الاستعمار؛ إذ يسعون لإحياء القوميات الجاهلية القديمة في العالم الإسلامي، فقد نبَّش المستشرقون خاصة في النصف الأول من القرن العشرين في الحضارات الجاهلية القديمة، وإحياء معارفها لسلخ المسلمين من دينهم، من ذلك بعث الفرعونية في مصر، والفينيقية في سوريا، والآشورية في العراق، والفارسية في إيران، والقومية الطورانية في تركيا، أمَّا الجزيرة العربية فلقد بحثوا في آثار السابقين، وأسموا دراساتهم"التاريخ الحضاري للعرب قبل الإسلام"، وذلك ليطفئوا نور الإسلام، وأنَّ الإسلام ليس وحده هو الذي قدم الحضارة الإنسانية، وليقطعوا صلة الأمة الإسلامية بماضيها الحقيقي الذي بدأ بظهور الإسلام.
أمَّا دراساتهم عن العصور الإسلامية فهي لا تخلو من الدس والتشويه، وأمريكا تريد القضاء على الإسلام والسيطرة على البلاد الإسلامية، ففي شهر مايو سنة 1992م، صرَّح نائب الرئيس الأمريكي في حفل الأكاديمية البحرية الأمريكية بولاية ماريلاند أنَّهم قد أخيفوا في هذا القرن بثلاثة تيارات هي: الشيوعية، والنازية، والأصولية الإسلامية، وقد سقطت الشيوعية والنازية، ولم يبق أمامهم سوى الأصولية الإسلامية، وما حملتها الآن على ما تسميه إرهاباً ومحاربتها له إلاّ للقضاء على الإسلام، وبسط نفوذها وهيمنها على الشعوب والدول الإسلامية ولا سيما العربية .
أمَّا عن الدراسات المعاصرة للأحوال الاجتماعية والاقتصادية فمعروف أنَّ المستشرقين المعاصرين في الولايات المتحدة قد أولوا عناية فائقة بدراسة الأوضاع القائمة في المنطقة العربية منذ قيام إسرائيل وحتى الآن، وذلك في إطار تجنيد هؤلاء المستشرقين والعملية الاستشراقية الأمريكية إجمالاً لتلبية احتياجات وتطلعات السياسة الأمريكية في هذه المنطقة، واحتل الاهتمام بإسرائيل مكانة خاصة في الاستشراق الأمريكي المعاصر، انطلاقاً من الدور الوظيفي الذي تؤديه إسرائيل في تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية، فانصبت غالبية نشاطات المستشرقين الأمريكان في مجالات الأبحاث الصراعية باتجاه تعزيز المواقع الإسرائيلية على جبهة المواجهة مع العرب، ومن المستشرقين الأمريكان الذين يسعون لخدمة الصهيونية"برنارد لويس"وهو يهودي بريطاني الأصل، ومنذ سنة 1973م انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ أصبح عضواً دائماً في معهد الدراسات المتقدمة، وفي الجمعية الفلسفية الأمريكية، وشغل منصب أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة برنستون، وانتقال"برنارد لويس"إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة 1973م يبين لنا أنَّ هذا المستشرق انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لهدف يسعى إلى تحقيقه من خلال الدور الأمريكي في الدعم الصهيوني، خاصة بعد حرب أكتوبر عام 1973م التي قلبت موازين الاستراتيجية الصهيونية والأمريكية، إضافة إلى إدراكه أنَّ الدور البريطاني في الدعم الصهيوني قد ضعف أمام قوة الاستراتيجية الأمريكية وأنَّ الصهيونية قد حصلت من بريطانيا ما تريده منها ،فلقد أدت بريطانيا دورها ، والدور الآن على الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق بقية الحلم الصهيوني باعتبارها أكبر دولة في العالم،وإسرائيل هي الدولة المدللة لديها.