فهرس الكتاب

الصفحة 10146 من 27364

ويرد"فوكوياما"على تصريحات"جورج بوش"الرئيس الأمريكي التي قال فيها بأن الحرب ضد الإرهاب التي أعلنتها واشنطن ضد أفغانستان ليست حربًا ضد الإسلام، ويقول إن الصراع ضد الإرهاب فيه مسائل حضارية واضحة تلعب دورًا فيه . وفي حقيقة الأمر، فإن"فوكوياما"يلتقي مع"بوش"، حتى وإن كان هذا الأخير لا يقول نفس الكلام،لأنه يفعله، فقد رسمت الإدارة الأمريكية خطة واسعة ضد التعليم الديني في البلدان العربية والإسلامية، وضغطت وتضغط على باكستان وتركيا واليمن ومصر والسعودية وغيرها لتغيير المناهج التعليمية الإسلامية ومحاربة المدارس الدينية وكتاتيب تحفيظ القرآن، معتبرة أن ما تسميه"بالتطرف والإرهاب"يأتي من هذه المؤسسات والمدارس، أي من الأفكار والقناعات التي تغذيها، وهذا بالتحديد مايقوله"فوكوياما". إن هذا الأخير لا يعبر سوى عن قناعات ومواقف الإدارة الأمريكية منذ أن طرح نظريته حول"نهاية التاريخ"، فهو واحد من المثقفين الأمريكيين الذين يحاولون إيجاد التبرير الايديولوجي والفكري لقرارات هذه الإدارة، وهو بالتالي نموذج مثقف السلطة والحكم في الولايات المتحدة ، إن"فوكوياما"يدعو بصريح العبارة إلى شن حرب شعواء ضد هذه العناصر الثابتة في الحضارة الإسلامية بهدف القضاء على بذور"الإرهاب"، وهي دعوة يسانده فيها الكثيرون في أوروبا وأمريكا، بل يطبقها كما سبق القول رئيس الإدارة الأمريكية"جورج بوش"، ولكن أليس هذا إرهابًا حضاريًا متطورًا؟ أليس هذا محاولة جديدة لإبادة ثقافة أمة بكاملها، بعد إبادة شعوب بكاملها مع ثقافاتها في أمريكا؟! وهل من حق المسلمين أن يطالبوا مثلا بتغيير المناهج الأمريكية والأوروبية لأنها مليئة بالأفكار الاستشراقية الخاطئة عن الإسلام والشرق؟ إن الكيان الصهيوني يحشو مناهجه التعليمية بدعوات عدوانية إلى إبادة"الأغيار"وذبْح الفلسطينيين وقتل العرب وإفراغ فلسطين، ماذا سيكون موقف الغرب كله لو قام العرب والمسلمون مطالبين بحذف هذه المناهج؟.

تنطلق أفكار"فوكوياما"وأمثاله من رؤية استعمارية خطيرة تعتبر الغرب"أعلى نموذج"وصلته الإنسانية، والآخرين"أدناها"، وهي رؤية ناتجة عن عقدة"التفوق الغربي"و"التمركز الحضاري"حول الذات، لكنها تؤشر إلى صراع حضاري كبير يدفع ثمنه الغرب نفسه، يقال:"إن الامبراطوريات عندما تتسع ولا تجد أمامها ما تتوسع إليه تلتف حول نفسها لتأكل أطرافها"، وقال ابن خلدون قبل أكثر من عشرة قرون" إن الحضارة عندما تصل درجة أكبر من المدنية والرفاه تنقلب إلى التوحش والإغارة، فيكون في ذلك نهايتها، فهل يكون"فوكوياما"وغيره أداة هدم الحضارة الأمريكية بدفعها إلى هذا الحد غير المقبول من التوحش والسطوعلىالشعوب الأخرى؟."

خراب الحداثة الغربية

تعني عبارة"العالم الحديث"في مقال"فرانسيس فوكوياما"عالم الغرب الحديث منذ بروزه على المسرح العالمي في القرن الخامس عشر الميلادي. هذا هو التاريخ"الرسمي"لنشأة الحداثة الغربية في عرف المؤرخين والمثقفين الغربيين وغير الغربيين، و"فوكوياما"مقتنع بأن انخراط العالم غير الغربي وغير المسيحي في العصر يمر بالضرورة عبر اعتناق الحداثة وقيمها وقناعاتها. وهو يدافع عن فكرة مفادها أن استمرار الحداثة رهين بمحاربة"الإرهاب"، وبعبارة أخرى: يجب أن تبقى الحداثة ليبقى الغرب، أو أن يبقى الغرب لتبقى الحداثة. ومن أجل ذلك ينبغي أن تستمر سياسة الإبادة الغربية تجاه الشعوب الأخرى وثقافاتها. لكن لننظر أولا إلى جذور الحداثة الغربية في القرن الخامس عشر لنعرف جيدا الثمن الذي يجب دفعه من طرف شعوب العالم كي تستمر? .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت