فهرس الكتاب

الصفحة 10147 من 27364

عندما هبط كولومبوس على شواطئ أمريكا سنة 1492 ? لنتذكر أن هذا هو تاريخ خروج المسلمين من الأندلس ? كان يوجد حوالي أربعمائة مليون نسمة على وجه الأرض، عشرون منهم يعيشون في الأمريكتين (خمسة وعشرون مليون في المكسيك وجميعهم من الهنود الحمر) ، وبعد ومائة وخمسين سنة لم يبق من هؤلاء سوى عشرة ملايين ?مليون فقط في المكسيك?، لقد قضى القتل الجماعي على أزيد من 90 إلى 100 ألف في جامايكا ?، في إبادة جماعية ضخمة من طرف الأوروبيين الغزاة حاملي"الحداثة"إلى الشعوب الأصلية"البدائية"، حتى إن الناس كانوا ينتحرون لكي لا تصل إليهم أيدي الأوروبيين، وكانت الأمهات يقتلن أطفالهن قبل أن يقتلهم الغزاة البيض. وفي إفريقيا قضى الأوروبيون على نحو ستين مليون نسمة من ثمانين مليون نسمة هم عدد سكان افريقيا في ذلك الوقت، وتحول الباقون إلى عبيد في خدمة الأوروبيين المتحضرين. لكن الأوروبيين (الذين سيصبح جزء منهم أمريكيين فيما بعد) لم يقضوا على البشر والحجر فقط، بل دكوا الحضارات والثقافات. في القرن الخامس عشر كان هناك حوالي أربعة آلاف ثقافة مختلفة، ألف منها موجودة في الأمريكتين قبل غزو البيض، وبعد مرور خمسة قرون لم تعد هناك سوى خمسمائة ثقافة إنسانية منها مائة فقط في الأمريكتين، وهذا يعني القضاء على 88 في المائة تقريبًا من التنوع الثقافي في العالم. المبرر الذي يسوقه الأوروبيون دائما هو أن هؤلاء كانوا من الشعوب المتوحشة التي تعيش على القتل والغصب وسفك الدماء، وأن ثقافاتهم غير صالحة لإنتاج حضارات ؟!

لنقارن هذه الأرقام المرعبة بالرقم الصغير جدًا الذي يدعيه اليهود حينما يروجون أطروحة (الهولوكوست) والإبادة الجماعية، والذي يصل بالكاد إلى رقم خمسة ملايين، ومع ذلك يتحرك الغرب كله، ضد هذه الإبادة"اللاإنسانية"، كأن الإبادات الأخرى إنسانية. هذه هي الحداثة الغربية اليهودية المسيحية!!. كلمة"متوحشة"اختفت اليوم لتحل محلها كلمة"إرهابيون"، وتحت هذه الكلمة الأخيرة تمت إبادة ملايين البشر من أمريكا اللاتينية إلى أمريكا الوسطى وآسيا والعراق وأفغانستان ؟!

وفي حقيقة الأمر، فقد آمن الغرب بصراع الحضارات، ومارسها منذ مئات السنين، حتى لا نعتقد بأن صراع الحضارات لم يبدأ سوى مع"صامويل هانغتغتون"، فهذا الأخير لم يبتكر شيئا، ولكن ابتكر"المقولة"فقط، إن إبادة ملايين السكان في القرون الأخيرة كان الهدف منه اجتثات الحضارات غير الغربية، وقتل الملونين، حتى تبقى الطريق سالكة أمام الغرب شعبًا وثقافة وحضارة دون غيره?

العلمانية والديمقراطية والمسيحية

يقول"فوكوياما"في مقاله:"إن الديمقراطية الحديثة نسخة علمانية للمبدأ المسيحي في المساواة الإنسانية عالميًا، إلا أن المؤسسات الغربية كالأساليب العلمية، التي وإن كانت قد اكتشفت في أوروبا فإن لها تطبيقات عالمية"هذه الكلمات الخطيرة تعري حقيقة نظرة الغرب إلى العالم وإلى نفسه. إن أطروحة المركزية الغربية أو التمركز الغربي حول الذات واضحة في هذه الفقرة، ومن الخطر تصديق هذه المقولات التي تسعى إلى تنميط العالم وقولبته وفق قالب الغرب المسيحي- واليهودي (والاثنان مترابطان في اللاوعي الغربي حول الحضارة الغربية والحداثة) .

إن أطروحة المركزية الغربية غارقة في العنصرية، لأنها تركز على أن الغرب هو السيد الوصي الذي بإمكانه إصدار الوصفات الطبية للعلاج، ولقد ترسخت هذه الأطروحة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع فلاسفة الغرب والمستشرقين والمؤرخين الغربيين، وراج في فترة معينة أن شعوب المناطق الساخنة المسلمون في الجزيرة العربية لا يستطيعون إنشاء حضارة بسبب المعطيات المناخية والصحراء، كما هو الحال مع شعوب المناطق الباردة في أوروبا?، دون أن يتساءل هؤلاء كيف انبعث الإسلام من هناك وبنى الحضارة.وتغيرت هذه المقولة الطبيعية لتترك مكانها للمقولة العرقية، فجاء الفيلسوف الألماني"هيجل"وقال بأن خط التطور الكوني يسير نحو الكمال في النموذج البروسي الألماني?، ومهد بذلك لأطروحة التفوق"الآري"والنازية، ثم جاء"كارل ماركس"، ودافع عن الاستعمار في الهند الصينية والجزائر لأنه سيخرج هذه الشعوب في اعتقاده من البدائية والتوحش إلى الرأسمالية المتطورة التي هي الحلقة الأخيرة ما قبل الشيوعية، وجاء آخرون ووضعوا العالم الإسلامي والعالم الثالث عمومًا خارج الغرب الرأسمالي تحت"نمط الإنتاج الآسيوي"أو الشرقي المتخلف، والذي يقابل"نمط الإنتاج الرأسمالي"أو الغربي. ولم تتوقف هذه الأطروحات المركزية في الغرب، وظلت تغذي الثقافة الغربية وتحاول إجراء"غسيل مخ"لمثقفي الشعوب غير الغربية، ونجحت في ذلك إلى أبعد الحدود للأسف?!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت