إن عدم المعرفة بالإسلام، بسبب نقص المعلومات عنه أو عدم الاهتمام المسبق به يعد عنصراً مساعدا على التغيير ويسهل مهمتنا كثيراً. ويعترف القس والأستاذ الجامعي الإسبانى (إميليو غاليندر) أن أول ما يتعين على الغربيين فمهه كي يفهموا الإسلام هو تأهيل أنفسهم لكي يكونوا قادرين على تحقيق مثل هذا الفهم. وقد أدلى (غاليندر) - الذي يدير مركز الدراسات الإسلامية المسيحية في مدريد - بهذا التصريح بعد أن اكتشف أن الغالبية الكبرى من قساوسة وراهبات الكنيسة الكاثوليكية يجهلون الإسلام تماما. وقد أفادت نتائج استقصاء للرأي أجراه المركز الذي يديره أن 53 % من الكنسيين رجالا ونساء لم يقرؤوا في حياتهم أي دراسة عن الإسلام كما أن نسبة الذين قرؤوا القرآن منهم لم تتجاوز الـ5% فقط. ولذلك دعا القس غاليندر رجال الكنيسة ولعاملين في وسائل الإعلام إلى قراءة القرآن الكريم ودراسته قبل إصدار آراء عن الإسلام والمسلمين مليئة بالأخطاء والتهكم والطعن.
لم يكن لنا عذر في السابق ، وليس لنا عذر الآن في إيلاء مسألة تغيير الصورة عنا في المجتمعات الغربية ما تستحقه من عناية قصوى. وهاهي الفرصة الذهبية باتت سانحة الآن، ولابد من اهتبالها قبل أن تضيع كما ضاعت فرص أخرى من قبل، وعلينا أن ننظر إلى المستقبل أكثر من عيشنا في الماضي.
إن الأحداث الأخيرة وتداعياتها وفرت بيئة ملائمة للعمل من خلال هذا الاستعداد والقابلية للتعرف على الإسلام وتفهم قضايا المسلمين لدى الشعوب الغربية وبخاصة في أمريكا. كما أن رياح الانفتاح العالمي التي نتجت عن التطور المذهل في تقنيات الاتصالات الحديثة بشتى أشكالها، بالإضافة إلى مقتضيات العولمة الإعلامية والاقتصادية والثقافية، تساعدنا على الوصول إلى الجماهير الغربية بيسر وسهولة.
إن علينا الآن أن نتحرك ونصل إلى وسائل التأثير المتعددة في المجتمعات الغربية لنتحدث إلى الناس ونصحح ما لديهم من معلومات خاطئة ومموهة عن الإسلام وقد شكا الصحفي الأمريكي (ديفيد لامب) من صحيفة"لوس انجلس تايمز"قبل سنوات من أن العرب والمسلمين يضيعون جهودهم في الحديث اليومي مع بعضهم بعضاً، وفي التذمر من دور وسائل الإعلام الأمريكية في تشويه صورتهم، عوضاً عن نقل هذا التذمر والامتعاض بشكل دقيق ومعلوماتي للإعلام الأمريكي. وهو محق فيما قاله ؛ فليس المهم ما يفعله الغرب لتشويه صورتنا، ولكن المهم هو ما سنفعله نحن لتغيير تلك الصورة، علينا أن نتحرك وفق رؤية مستقبلية واضحة المعالم تنبثق عنها خطط ونشاطات عملية منظمة.
إن تلك الرؤية المستقبلية لابد أن تراعي الأسس التالية:
أولا: أن تعتمد نظرتنا الاستراتيجية للتغيير على ما يمكن تسميته"صناعة الصورة البديلة"عوضا عن الانشغال بردود الأفعال ومحاولات الترقيع. فبدلاً من الإغراق في تفنيد المغالطات وملاحقة مروجيها علينا أن نقدم المعلومات الصحيحة وفق منظومة متكاملة ومستمرة غير منقطعة. وعلينا أن نسلك سياسة النفس الطويل ولا نرتهن للعمل الوقتي الذي قد ينجح في تسجيل هدف في مرمى الخصم ولكنه لن يحقق الفوز النهائي في المباراة!!
ثانيا: أن تتوجه جهود صناعة الصورة البديلة إلى القاعدة الشعبية العريضة في المجتمعات الغربية ولا تقتصر أو تركز على الساسة وصناع القرار. فإن الشعوب الغربية تبدي - كما رأينا - استعداداً وقابلية للتغيير. ولم يعد من الصعوبة اليوم الوصول إلى الجماهير عبر العديد من وسائل الإعلام وشبكات المعلومات وقنوات الاتصال الشخصي. كما أن العديد من المؤسسات المدنية في المجتمعات الغربية توفر لنا ساحة ملائمة لإيصال رسائلنا إلى قطاعات متنوعة من الأفراد والجماعات.
ثالثا: أن يستند النشاط الفعال لصناعة الصورة البديلة إلى مزيج من العمل الإعلامي والعمل الثقافي والعمل الدبلوماسي والاتصال الشخصي، فتغيير الصورة المشوهة وإحلال صورة بديلة مكانها لا يكفي لتحقيقه الاعتماد على نوع واحد من هذه النشاطات. بل نحتاج إلى الحركة في جميع هذه الجبهات. علينا أن نصل إلى وسائل الإعلام المؤثرة في الغرب وننشط علاقتنا مع الإعلاميين المميزين ونوثق صلتنا بالمؤسسات الإعلامية ذات النفوذ. ولاشك أن هذه العلاقات والصلات متى ما نمت ونضجت فستساهم في تثقيف أولئك الإعلاميين وتصحيح مفاهيمهم وتصوراتهم عن الإسلام وذلك عن طريق تزويدهم بالمعلومات والتعبير لهم عن الآراء حول القضايا والموضوعات التي تتعلق بالدين الإسلامي او تتناول شؤون العالم الإسلامي وهموم المسلمين.
وعلينا أن نمارس ألوانا متعددة من النشاط الثقافي عبر وسائل متنوعة مثل: توزيع الكتب والنشرات وإقامة المعارض والمهرجانات، وتقوية برامج التبادل الثقافي بين الدول الإسلامية والمؤسسات الغربية. وينبغي التركيز على المؤسسات التعليمية والجامعية بالعمل على تصحيح المناهج الدراسية وتكثيف الصلات العلمية مع مراكز البحوث والدراسات وهيئات التدريس في الجامعات الغربية.