حتى بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي كان الإسلام بالنسبة لفرنسا"ديناً غريباً"، لكن الثورة الإيرانية التي حصلت العام 1979 غيرت كل شيء فأصبح الإسلام منذ تلك اللحظة في قلب الأحداث المهمة بالنسبة للإعلام الفرنسي، بل دخل موضوع الإسلام إلى النقاشات العائلية في البيوت، حيث سمحت تلك الثورة ـ كما يوضح المؤلف ـ ببروز مصطلحات كانت مجهولة من قبل لدى الفرنسيين مثل:
"السنة"و"الشيعة"والحجاب"و"التشادور"و"الشريعة"و"آية الله"و"الفقيه"."
ويرى المؤلف أن تلك المرحلة كانت فاصلاً عما قبلها في تصور الفرنسيين للإسلام، إذ من قبل كان الإسلام مرتبطاً بمجموعة من"الكليشيهات"أو التصورات الجاهزة والمعلبة التي كرسها المستشرقون عن العالم الشرقي"الغارق في التخلف والجهل والمطبوع بالحريم"وتعدد الزوجات والجهاد ضد المسيحيين الكفار وغرائب كتاب"ألف ليلة وليلة"، لتبدأ صورة أخرى جديدة أقرب إلى الواقع. وعلى الرغم من حصول الثورة الإيرانية ظل الإعلام الفرنسي طيلة تلك الفترة يدير ظهره لها خلال ذلك العام إلى أن غادر الشاه إيران، فانكب الإعلام الفرنسي على تقديم تحاليل وتعليقات حول الإسلام والمسلمين, وظهرت أسماء كانت مغمورة من قبل أمثال المستشرقين الفرنسيين (ماكسيم رودنسون) و (جاك بيرك) .
ويشير المؤلف إلى أن الإعلام الفرنسي والخبراء الذين كانوا يقومون بالتعليق على الثورة الإيرانية والدين الإسلامي لم يكونوا يفهمون جيداً حقيقة الإسلام، فبسبب تزامن ثورة الخميني مع انتخاب البابا جان بول الثاني في سبتمبر 1978، أطلق هؤلاء لقب"بابا الإسلام"على الخميني؛ إذ حاولوا أن يعكسوا ما يحصل في المسيحية على ما حصل في إيران، وزاد من ذلك أن عودة الخميني إلى إيران واستقباله بالهتافات تزامنت مع زيارة البابا في نفس العام إلى المكسيك واستقباله من طرف الجماهير، مما كرس تلك الصورة.
وقد دفع حادث السفارة الأمريكية في طهران المحللين الفرنسيين إلى ربط الإسلام بالحرب ضد الغربيين، حيث خصصت مجلة (لونوفيل أوبسرفاتور) عدداً خاصاً في تلك السنة للحادث عنونته بـ"الإسلام:أمريكا محاصرة"، أما (الإكسبريس) فخصصت غلافها للموضوع بعنوان"الإسلام:الحرب"، ويعلق الكاتب على ذلك قائلاً:"من دون أن يأخذوا بعين الاعتبار أن الإسلام ليس سوى ما يريدون تصويره وما يراد إبرازه، كان هؤلاء المحللون والمعلقون يبدون وكأنهم مقتنعون بأنه يمكنهم معرفة حقيقة الإسلام".
لقد تزامنت هذه المرحلة في فرنسا مع بروز ظاهرة الهجرة من بلدان المغرب العربي بالخصوص التي كانت محتلة سابقاً من قبل باريس، ومع ظهور موضوع الإسلام كواحدة من القضايا المهمة في الإعلام، صارت قضية الهجرة لا تنفصل في أذهان الفرنسيين عنه، وسرعان ما أصبح التركيز يجري على المهاجيرين القادمين من المنطقة المغاربية فقط وليس على المهاجرين الآخرين القادمين من إسبانيا وإيطاليا وبولونيا وغيرها من البلدان الأوروبية، وبات يُنظر إليهم كتهديد للمجتمع الفرنسي بسبب ديانتهم الإسلامية. وقد احتل الجزائريون الصدارة بسبب هذا الاهتمام، نظراً للارتباط الطويل بين فرنسا والجزائر طيلة مرحلة الاستعمار الذي دام أزيد من قرن، فانبعث موضوع الحرب الجزائرية الذي كان حتى ذلك الوقت موضوعاً منسياً أو مسكوتاً عنه، وأنشأ الإعلام الفرنسي نوعاً من الترابط بين موضوع الهجرة وحرب الجزائر.
ويثير المؤلف نقطة مهمة في هذا الفصل، وهي أن الفرنسيين اكتشفوا هويتهم الخاصة والمتميزة ليس بالنظر إلى تاريخهم بل بالنظر إلى المهاجرين الآخرين القادمين من بلدان العام العربي، فقضية الهجرة جعلت الجميع يفتح نقاشاً عمومياً حول"الهوية"الفرنسية والطابع المسيحي لها، خاصة بعدما ظهرت قضية"الإدماج"للمهاجرين في المجتمع الفرنسي، حيث بدأ البعض يدق ناقوس الخطر من خطورة إذابة الهوية الفرنسية في هويات المهاجرين الأجانب، وتساءل أحد الكتاب ما إن كان الفرنسيون سيظلون فرنسيين خلال الثلاثين عاما المقبلة.
ركز الإعلام الفرنسي في هذه المراحل على عدة قضايا تتعلق بالإسلام والمسلمين والغرب، من بينها مواضيع الحرية الغربية مقابل الاستبداد في العالم العربي والإسلامي، وحرية المرأة في فرنسا مقابل خضوعها للزوج في العالم العربي، والحداثة مقابل التخلف، والديموقراطية مقابل سيطرة التقاليد الدينية، لكن المؤلف الذي ينتقد تلك الصور النمطية عن الإسلام يقول بأنه"يمكننا أن نستغرب من الحماسة الكبيرة التي كان يثير بها الصحافيون الفرنسيون قضايا أكثر حساسية مثل هذه، وميلهم إلى التقليل من أهمية أي شيء لا يساير رغبتهم في وضعه أمام مرآة الغرب، والمقابلة بين إسلام يُقال عنه إنه مختلف وظلامي وغريب هو بالضرورة حداثي ومتحرر".