لقد قاد الانفتاح على الإسلام نسبياً في المجتمع الفرنسي ورواج الحديث عنه في الإعلام والأوساط العائلية عدداً من الفرنسيين إلى اختيار الدخول في الإسلام خلال مرحلة الثمانينات، مثل الفيلسوف المعروف روجيه غارودي والكاتبة (إيفا دي فيتراي) والفنانين (موريس بيجات) و (كات استيفنس) وهو يوسف إسلام، وقد أكدت تلك الحالات للجميع أن الإسلام لم يعد موضوعاً غريباًً عن المجتمع الفرنسي بل دخل في عمقه وأصبح جزءاً منه؛ إذ دخل في الإسلام حتى العام 1986 أزيد من مائة ألف فرنسي من جميع الأوساط والفئات الاجتماعية، بينما ضاعفت القناة التلفازية الفرنسية الثانية هذا الرقم عام 1988. إثر ذلك أخذ الإعلام الفرنسي يثير المخاوف من"غزو"فرنسا من طرف المسلمين الوافدين والمسلمين الجدد، وظهر نقاش جديد موضوعه:هل الإسلام جيد أم لا؟ هل الإسلام أفضل من المسيحية؟
ويعتبر المؤلف أن قضية الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي صاحب"آيات شيطانية"كانت حادثاً فاصلاً في حياة مسلمي فرنسا، وفي طريقة معالجة الإعلام الفرنسي لموضوع الإسلام، فعندما أثيرت القضية عام 1989 بعد فتوى الخميني ضد الكاتب البريطاني خرج مسلمو فرنسا في تظاهرات في الشارع منددة برواية رشدي، وقد اختلفت معالجة الإعلام الفرنسي لتلك التظاهرات، بعضهم اعتبرها"تظاهرة إسلامية"، وبعضهم وصفها بـ"التظاهرة المتطرفة"، والبعض وصفها بالإرهابية، كما اختفلت طريقة تغطية صور التظاهرات من قناة لأخرى، حيث ركز بعضها على مشاهد النساء والفتيات اللواتي تضعن الحجاب، بينما ركز بعضها الآخر على جلابيب الرجال ولحاهم، دون النفاذ إلى عمق المشكلة.
وقبل أن ينهي الكاتب هذا الفصل يتطرق لقضية الحجاب في فرنسا التي برزت عام 1989 هي الأخرى لتشكل بداية الاحتكاك المباشر للفرنسيين بالإسلام في الشارع والمدرسة والجامعة. يوضح الكاتب هنا أن الإعلام الفرنسي كان لديه خلط بين كلمة"التشادور"الإيرانية بسبب التركيز على الثورة الإيرانية، وبين"الحجاب"في المجتمعات السنية، كما أن البعض كان يطلق عليه اسم"اللباس الإسلامي"، والبعض اسم"اللباس القرآني". وقد أثيرت هذه القضية في أكتوبر 1989 عندما منعت ثلاث فتيات مسلمات من دخول إحدى المدارس، في سابقة أولى، فانتقل النقاش إلى البرلمان الفرنسي ووسائل الإعلام.
ضبط الأقلية المسلمة (1990-2000)
خلال هذه المرحلة ـ يقول المؤلف ـ تراجعت صورة إيران كممثل للإسلام لتحل محلها عراق صدام حسين أثناء غزوه للعراق للكويت ، والجزائر التي ظهرت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأصبح الإسلام يجسد في الذهنية الفرنسية ووسائل الإعلام"العدو"المضاد للغرب. لقد كانت الحالة الجزائرية أكثر تأثيراً في فرنسا من إيران التي لم تكن العلاقات معها قوية بما يكفي، ذلك أن الجزائر ذات ارتباط كبير بماضي فرنسا الاستعماري في شمال إفريقية، وهناك علاقات سياسية واقتصادية ولغوية متشابكة معها، جعلت التركيز يتم بشكل أكبر عليها، وقد حاول الإعلام الفرنسي أن يصور ما حصل في الكويت وفي الجزائر بأنه انعطاف تاريخي كبير في العالم العربي، وبداية بروز الإسلام على المسرح الدولي، على الرغم من أن صدام حسين كان دائماً في نظر الفرنسيين يمثل الحاكم العربي العلماني المعادي للإسلاميين، و"صديق فرنسا"الدائم. ويصف الكاتب التناول الإعلامي للإسلام في هذه المرحلة بكونه كان تناولاً قاصراً ومتحيزاً، ويقول بأن تلك المرحلة"كانت مرحة التوظيف الإعلامي والخلط المتعمد على جميع المستويات".
ويروي المؤلف أن الإعلام الفرنسي، ومن أجل محاولة تفسير الجبهة الإسلامية للإنقاذ للفرنسيين، رجع إلى التصورات الاستشراقية الأولى عن الإسلام والنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وقضية المرأة"المحجبة"و"المقموعة"و"المضطهدة"في العالم الإسلامي، وفي هذه المرحلة عادت بعض الأسماء المهتمة بالإسلام في الغرب للظهور على الواجهة الإعلامية، أبرزهم (برنارد لويس) الأمريكي؛ إذ تم بعث بعض كتاباته الخاصة بالموضوع، خصوصاً ما كتبه عام 1964 عندما وضع مصطلح"صدام الحضارات"لأول مرة، وراج في الإعلام الفرنسي أن الفجوة بين الغرب والإسلام ماضية في الاتساع أكثر فأكثر بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.