فهرس الكتاب

الصفحة 10188 من 27364

في بداية التسعينيات أيضاً عادت قضية الهجرة لتحتل الواجهة الإعلامية، لكن بشكل مختلف عن المرحلة السابقة، حيث ظهرت عبارة"انتفاضة الضواحي"لتوصيف حالة المهاجرين القادمين من شمال إفريقية الذين يقيمون في أحياء شعبية تنعدم فيها شروط الحياة الكريمة، وصار الإعلام الفرنسي يسلط الضوء أكثر على هذه الأحياء واصفاً إياها بـ"الغيتوهات"و"المناطق الخارجة عن القانون"، وصار يطلق على ساكنيها كلمات مثل"المسلمون"،"الأجانب"،"المؤمنون"،"المغاربيون"و"البور" (المهاجرون المغاربيون المولودون في فرنسا) ، وقد تعبأت وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة لمتابعة هذه القضية، ونظمت في القنوات التلفازية جلسات حوارية بعضها كان موضوعه: هل ينبغي على المسلمين الفرنسيين التخلي عن الإسلام من أجل اندماج أفضل وضبط أحسن للإسلام في فرنسا؟ ويقول الكاتب: إن المسلمين في فرنسا وجدوا أنفسهم مضيقاً عليهم الخناق بسبب هذه المعالجة الإعلامية التي حاصرتهم.

لكن القضية الجزائرية تطورت بشكل مثير خلال العام 1992 بعدما انقلب الجيش الجزائري على فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في البلديات، حيث أصبح هناك تخوف من الانعكاسات السلبية لذلك التحول على فرنسا والمهاجرين المسلمين فيها. ويرى الكاتب هنا أن ما تحكم في الصحافيين والإعلاميين الفرنسيين هو تلك الصور النمطية القديمة الموروثة عن الاستعمار الفرنسي لشمال إفريقية، بعيداً عن الموضوعية والعقلانية، حيث في الغالب كان يتم التركيز على بعض الحوادث العرضية والصور والمشاهد المعزولة لتقديمها وكأنها تمثل الإسلام أو المسلمين، مثل العراك بين جزائريين في الشارع، أو ارتداء سيدة جزائرية أو عربية للحجاب، أو مشهد شخص ملتحٍ يحمل بندقية، ولكي تكتمل الصورة في الذهنية الفرنسية، أطلق الإعلاميون والصحافيون على ما يحصل في الجزائر اسم"حرب الجزائر الثانية"، لمقارنتها بالحرب الجزائرية الأولى في الخمسينات من القرن الماضي ضد الوجود الفرنسي.

وقد شهد شه غشت شهر أغسطس من العام 1994 حادثاً بارزاً تمثل في اغتيال ثلاثة دركيين فرنسيين واثنين من مستخدمي القنصلية الفرنسية في الجزائر، ونُسب الحادث إلى عناصر من"الجيش الإسلامي للإنقاذ"، لكن فرنسا لم تتحرك لإجراء تحقيق في القضية؛ إذ حسب كاتبين فرنسيين في كتاب مشترك لهما عن العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية فإن تلك الجريمة قام بها الجيش الجزائري بهدف توريط فرنسا مباشرة في الحرب ضد الجبهة الإسلامية وضمان مساندتها. لكن إثر ذلك الحادث شرع وزير الداخلية آنذاك (شارل باسكوا) في شن حرب على الجمعيات الإسلامية التي يشرف عليها مسلمون وجزائريون، بدعوى أنها تعتبر"طابوراً خامسا"للإسلاميين الجزائريين الراديكاليين، وفتح الإعلام صفحاته وبرامجه (لباسكوا) وأصحاب هذا الرأي، وصار هناك تطابق تام بين الإسلام كدين والإسلاميين، فكل مسلم أصبح مشكوكاً في ولائه للإسلاميين الحركيين.

لكن تفجيرات صيف 1995 باريس واختطاف طائرة"الإيرباس"أحدثت تحولاً جديداً في التصورات عن الإسلام والمسلمين والجزائر خاصة، بعدها بأسبوعين تم اغتيال الشيخ الصحراوي الجزائري في قلب باريس، أحد الوجوه البارزة في تلك الفترة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ويقول المؤلف: إن اغتيال الصحراوي شكل موضوعا رئيسياً لوسائل الإعلام الفرنسية التي اكتشفت فجأة أن هناك تيارين داخل الإسلاميين، التيار المعتدل والتيار المتشدد، ونتيجة لذلك أخذت وسائل الإعلام تميز بين الجبهة الإسلامية وبين الجيش الإسلامي للإنقاذ بعد سنوات من الخلط بينهما.

بعد وصول حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 1996، وبروز الإسلاميين في تركيا، بدأ الإعلام الفرنسي يتجه بعيداً عن المسلمين الفرنسيين ليركز على قضايا أخرى مرتبطة بالإسلام بعيداً عن الجزائر ومنطقة المغرب العربي، ليخف الضغط الإعلامي عليهم لفترة معينة. غير أن هذه المرحلة شهدت نوعاً من الاتجاه نحو الموضوعية والصراحة في انتقاد طريقة تناول الإعلام الفرنسي للإسلام وقضايا المسلمين، فبدأ بعض الصحافيين والباحثين يستعملون عبارات"شيطنة الإسلام"و"المتخيل المعادي للمسلمين"، ووصل البعض إلى حد استعمال عبارة"الإسلاموفوبيا"أو نزعة معاداة الإسلام.

تطويق العدو غير المرئي (2001-2005)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت