فهرس الكتاب

الصفحة 10189 من 27364

كانت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر حدثاً فاصلاً ـ كما يقول المؤلف ـ في تعاطي الفرنسيين مع الإسلام،"لقد دخلنا بعد الحادي عشر من سبتمبر في عصر جديد وغير مسبوق، أصبح الغرب فيها مستهدفاً في كيانه". وبعد ظهور أسماء زكريا الموساوي والفرنسي (جيروم كورتايلي) الذي اعتقل في هولندا بتهمة علاقته بتنظيم القاعدة، والبريطاني (رتشارد ريد) ، أصبح الحديث الرائج في فرنسا هو عن"المؤامرة"التي تستهدف الجاليات المسلمة في فرنسا، وخاصة أبناء الضواحي، من أجل تجنيدهم وإرسالهم إلى الحرب في أفغانستان مع تنظيم القاعدة، وهذا أدى إلى سيطرة"العقلية الأمنية"داخل الدولة في التعاطي مع المسلمين، فأصبحت المساجد والخطب ولقاءات المسلمين وجمعياتهم تخضع للرقابة الشديدة من طرف وزارة الداخلية ورجال المخابرات.

ويقول المؤلف إن هذه المرحلة كانت أخطر المراحل في المعاجلة الإعلامية للإسلام وشؤون المسلمين في فرنسا، فأصبح الشك هو الأصل في المسلمين، ويُطلق على تلك المعالجة تسمية"المعالجة الافتراضية"التي تنحرف عن الواقع باسم تدارك الخطر قبل وقوعه، مما أدى إلى حصول"انزلاقات"، كما حصل في حادث انفجار أحد المعامل في مدينة تولوز بعد أسابيع من تفجيرات نيويورك وواشنطن، حيث اتجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى"إسلاميين"، وكانت أول قصاصة إخبارية لوكالة الأنباء الفرنسية فور الحادث تشير إلى وجود متطرفين إسلاميين وراء الحادث، قبل أن تلحق بها كافة وسائل الإعلام والصحف الأخرى، ليتأكد في الأخير أن ذلك كان مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة، وتكررت نفس العملية مع حادث مطار (رواسي) عام 2003.

أهم ما طبع هذه المرحلة ـ حسب المؤلف ـ هو انتشار تحقيقات و (روبورتاجات) "ملفقة"في وسائل الإعلام الفرنسية التي كانت تقدمها البرامج الأكثر مشاهدة على القنوات، وقد برز اسم صحافي جزائري يدعى محمد سيفاوي الذي كان مرتبطاً بالجنرال خالد نزار وتيار في الجيش الجزائري، جاء إلى فرنسا قبل سنوات للعمل مع مجلة فرنسية هي (ماريان) ، وبعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر بدأ يقدم نفسه كمتخصص في الإسلام مما جعل وسائل الإعلام تفتح له أبوابها، ثم أخذ يعد تحقيقات مصورة ملفقة يصور فيها نفسه وكأنه نجح في اختراق بعض الإسلاميين المتشددين، وتمكن من تصويرهم بكاميرا خفية والتقاط بعض تصريحاتهم المثيرة، مثل ذلك الشاب الذي صرح له أن فرنسا ستكون الهدف التالي بعد أمريكا، وعلى الرغم من كل تلك التلفيقات ـ يقول الكاتب ـ أكل الصحافيون والإعلاميون الفرنسيون الطعم؛ لأن سيفاوي كان يهدف إلى تشويه صورة الإسلاميين الجزائريين ودفع الفرنسيين إلى الحقد عليهم لتقديم خدمة للتيار الاستئصالي في المؤسسة العسكرية الجزائرية.

وخلال الفترة ما بين 2003 و2004 عادت قضية الحجاب مجدداً إلى الساحة الإعلامية، خاصة بعد التظاهرات المعارضة لطرد محجبات من المدارس، وقد نتج عن ذلك أن النقاشات حول الإسلام والحجاب في وسائل الإعلام أصبحت"أكثر تطرفاً وتشدداً"، إلى درجة أن أحد البرامج التلفازية في قناة (تي إف 1) في أكتوبر 2003 صُوّر مشهد لطالبات مسيحيات محجبات بلباسهم الكنسي في مدرسة كاثوليكية بمارساي ومشهد صليب معلق على جدار مدرسة أخرى ليؤكد أن"العلمانية موجودة في فرنسا"، دون أن يسأل نفسه لماذا ترفض هذه العلمانية حق مسلمات في ارتداء الحجاب.

في ختام الكتاب يؤكد المؤلف أن التغطية الإعلامية للإسلام وقضايا المسلمين في فرنسا لا تزال تهيمن عليها العقلية الاستعمارية، ويشير بنوع من المرارة إلى ظاهرة لافتة في الحياة السياسية الفرنسية: لقد كان اليمين واليسار الفرنسيان دائماً في صراع وتطاحن خلال الحرب الجزائرية، حيث كان الأول مؤيداً للاستعمار الفرنسي والثاني معارضاً له، لكن هذين التيارين التقيا فيما بينهما عندما تعلق الأمر بالإسلام، ويُطلق على هذه الحالة تسمية"مأزق الجمهورية الفرنسية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت