فهرس الكتاب

الصفحة 10275 من 27364

المشكلة الحقيقية في كتابة التاريخ أنه يُكتب في إطار فكرة, ويثار على أنه أحداث تنتهي إلى غاية, وفي البداية كان التاريخ يُكتب على أنه حوليّات أو خطط.. أي أن المعيار الذي يمسك وقائع التاريخ لم يكن متعلقاً بالفكرة نفسها, وإنما بذكر الأخبار والأحداث دون تحليل أو تفسير مثلما فعل الطبري, وكُتّاب الطبقات, وكان التاريخ مجرد تدوين للأحداث وتنشيط للذاكرة...

وعندما جئنا نكتب تاريخنا الحديث كان يمكن أن يتحول التاريخ إلى غائي, ولكننا استُعمرنا فكرياً وحدث أمران: سيطرة المنظور العلماني على التاريخ الحديث, وسيطرة الاستشراق على التاريخ الإسلامي. فالاستشراق حكم على التاريخ عند كتابته بروحين, بوصفه موضوعياً وليس علمانياً, فالمستشرق يحكّم عقله, وعقله إما عقل نصراني لا يفهم الإسلام, ومن ثم يفصل بين الدين والدنيا, ولا يستطيع أن يوصل بين الاثنين ليفهم الظاهرة الإسلامية في واقعها المعيش. كما أن العقل العلماني يحكم على الدين بوصفه بيئة للتخلف, فمن ثمّ الدين الإسلام - في نظره متخلف لا يعتد به, وبهاتين النظرتين لا نستطيع إيجاد صيغة منضبطة للتاريخ» هكذا صيغت الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

ومن هنا وجدنا مثلاً كل من قرأ وكتب وجلس على مقعد الدرس يعرف ويحفظ عن ظهر قلب موقعة الجمل وصفين والتحكيم وكربلاء ومقتل الحسين, على حين لو سألت خريجاً في كلية الآداب قسم التاريخ عن معركة (ملاذ كرد) أو عن (جلال الدين منكبرتي) أشك أن تجده يعرف حتى الاسم، وهذه من ضمن المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام, وبالمثل لو سألت حتى المتخصصين في التاريخ الإسلامي عن عدد الغزوات التي حاول الغرب فيها الوصول إلى مكة والمدينة والهجوم على الحرمين الشريفين لا تجد خبراً. فمن الذي وضع هذه الصفحة في بؤرة الشعور وطوى تلك الصفحة?!

القضاء على النجاح الإسلامي

وما هي أهم انعكاسات تشويه تاريخنا على واقعنا المعاصر؟

إن أخطر الآثار لهذا التشويه هو القضاء على النموذج العلمي الناجح لتطبيق الإسلام, فمعلوم أن المبادئ لا تظهر صلاحيتها وتثبت جدواها إلا بالتطبيق العمليّ, فكم من فلسفات ومشاريع حينما تُقرأ تجدها مُعجبة رائعة, لكن عند التطبيق تفشل فشلاً ذريعاً مثل الماركسية مثلاً. فحينما تشوّه صورة التاريخ الإسلامي فمعناها عجز الإسلام عن النجاح في التطبيق، وعدم قدرة المنهج الإسلامي والشريعة الإسلامية على النهوض بالأمم وصياغتها. وهذا هو الحادث في ثقافتنا الآن, فتجد الدعاة حينما يسألون كيف ستكون الدولة الإسلامية وإلام تدعوننا? ويواجهون بالصور الشوهاء من التاريخ الإسلامي, تجد الدعاة لا يجدون جواباً, بل يقولون:"ندعوكم إلى ما في كتاب الله, وإلى ما صحّ من سنة رسول ا صلى الله عليه وسلم , فالتاريخ لا يحكم على الإسلام, وتصرفات المسلمين لا تحكم على الإسلام, بل الإسلام هو الذي يحكم علينا".

فيجيب المعاندون قائلين: «إذا فشل وعجز الجيل الأول من الصحابة والتابعين عن تطبيق الإسلام فهل تنجحون أنتم» . وهذه هي حجج فرج فودة وسعيد العشماوي ورفعت السعيد, وغيرهم من العلمانيين، ويظل الإسلام مشروعًا نظريًا غير مطبق, ولذلك حينما يدعو الرأسماليون إلى مناهجهم يقدّمون أمريكا نموذجاً, وحينما يدعو الليبراليون والعلمانيون إلى مناهجهم يقدمون أوروبا نموذجاً, وكان الشيوعيون يقدمون الاتحاد السوفيتي نموذجاً, أما الإسلاميون فيُقال لهم: إلى أي إسلام تدعون: إلى إسلام الأمويين الذين هُدمت الكعبة في عهدهم واستبيحت المدينة وقُتل الحسين, أم إلى إسلام العباسيين ومسرور السياف ومباذل هارون الرشيد وأبي نواس (بالرغم من أن أبو نواس لم يلتق بهارون الرشيد نهائياً) , أم إلى إسلام الأتراك واستبدادهم وجهلهم, أم إلى إسلام المماليك وفظائعهم, أم إلى إسلام النميري, أم إلى إسلام الخميني?!

ومن مظاهر هذا التشويه أيضاً أننا أصبحنا نتحدث عن التقدم والتطور والتنمية وليس أمامنا إلا النموذج الغربي وأقصى ما يمكن للإسلاميين أنهم يريدونه لابسًا عمامة الإسلام, أما التقدم والتطور والتنمية بناءً على واقعنا وفلسفتنا، وبما لدينا انبعاثاً من واقعنا وماضينا فهذا غير وارد؛ إذ تحول صورة التاريخ الشوهاء دونه. فلولا المشاعر والعواطف السيئة نحو التاريخ الإسلامي لاستطعنا أن نطوّر نظم تعليمنا ومؤسساتنا الفكرية والثقافية والعلمية والسياسية والإدارية من داخل ثقافتنا وبناءً على واقعنا.

وكيف يقرأ جيلنا الحالي التاريخ الإسلامي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت