أولاً يجب أن نعلم أن الذاكرة التاريخية للأمة هي التي تحميها من الانهيار وأمة بدون تاريخ مثل شخص فقد الذاكرة تماماً, ونحن للأسف ذاكرتنا التاريخية مشوّهة, ولذلك لا نحسن استدعاء التاريخ، ولا نحسن الاستفادة منه في حماية الحاضر وتحقيق الأمل في المستقبل؛ فالتاريخ في حقيقته هو علم الحاضر والمستقبل. ونحن نحاول أن نلجأ إلى التاريخ مع أننا في الواقع نهمل التاريخ, ولم نستطع حتى هذه اللحظة أن نخضع دورتنا الحضارية لدراسة علمية كاملة تتحفظ أولاً على أهواء المؤرخين, ثم تحقق الحدث وتسلكه في سياقه التاريخي وتستخلص منه العبرة والعظة. نحن لم نفعل هذا للآن، وهذا هو أحد الشروط الغائبة لنهضتنا.
في قراءتنا للتاريخ ينبغي أن نعلم أن التاريخ هو صورة للعهود والحقب الماضية, وهذه الصورة تكون صادقة كلما كانت واضحة القسمات بيّنة السّمات, ونستطيع أن نشبه هذا بالصورة الفوتوغرافية التي تُقدّم لجوازات السفر والبطاقة الشخصية, فهذه الصورة تكون صادقة حينما تقدم الملامح على حقيقتها بشكلها وبحجمها الطبيعي, وليس (الكاريكاتيري) وهذه الصورة هي التي تُستخدم وتدل على صاحبها وحقيقته والتحقّق من هويته غالباً. وهناك صورة أخرى تستخرجها أجهزة المخابرات للجواسيس وأعداء الأمة, فتدقّق في الملامح والأنف والجبهة والشعر محاولة البحث عن آثار تغيير وتزييف الشخصيات. وهناك صورة ثالثة تصوّر الأحشاء من الداخل حينما يحتاجها الطبيب.
فهكذا التاريخ نصوّر الحقب التاريخية صورة طبيعية تبين أبرز الملامح بحجمها الطبيعي ويكتفي بها عامة المثقفين والباحثين, أما الصورة الأخرى التي تصل إلى الدقائق والخبايا والزوايا والأحشاء, فهذه لا يحتاجها ولا يقرؤها إلا المختصون الذين يفلسفون التاريخ ويستخرجون منه العظات والعِبَر. وهكذا يجب أن نقرأ التاريخ, أما أن نأخذ في التدقيق في بحث الخبايا والزوايا بحجة الموضوعية وحجة أخذ العظة، ونجعل ذلك صورة للعامة فهذا مخالف لطبيعة الأشياء, فليس كل قارئ للتاريخ فيلسوفاً تاريخياً.
التاريخ الغربي انتقائي
ومن يقرأ التاريخ الأوروبي يجد به من الخزايا والرزايا والفظائع ما لو وقع نقطة منه في بحر تاريخنا لنجّسته وكدّرته ولوّنته بالسواد, ولكن الغرب استطاع أن يستخرج من هذا التاريخ صورة ذات ملامح ناصعة قدمها لأبنائه, فلم يوجد في تاريخنا مثلاً ما حدث في تاريخ إنجلترا حينما غُيّر مذهب الدولة ورجال الكنيسة ثلاث مرات في نحو عشر سنوات من أجل نزوات الملك هنري الرابع الذي غيّر دين الأمة من أجل أن يفوز بامرأة, وفي هذه الفترة سالت الدماء وأُزهقت الأرواح ونُهبت الكنائس وقُتل الكرادلة ومع ذلك يجد الشاب الإنجليزي والمثقف الإنجليزي في تاريخه ما يفخر به, وقس على ذلك تاريخ الغرب كله.
ولقراءة التاريخ بعين الحاضر والمستقبل علينا أولاً أن نعرف كيف نتعامل مع المصادر, فلا نستسلم لكل ما هو مكتوب, فالكثير مما هو مكتوب لا يثبت صدقه عند التمحيص والتدقيق (وأنا هنا لا أعيب الذين دوّنوا التاريخ, بل إن هذا يحسب لهم لا عليهم؛ لأنهم دونوا كل ما سمعوه، وأسندوا لنا الأخبار التي دونوها وحمّلونا نحن مسؤولية النظر في السند) , ومن هنا كان القول المأثور «من أسند لك فقد حمّلك» أي ترك لك واجب التمحيص والتدقيق.
وقد جاء تشبيه هذه المدونات التاريخية على لسان العلامة محب الدين الخطيب - رحمه الله - تشبيهاً رائعاً حيث صورها بأنها تشبه تحقيقات الشرطة التي تدوّن كل ما تسمع عن الحادث وكل ما يأتيها به رجالها ومخبروها, أما التدقيق والحكم فهو بيد القضاء أو النيابة. فهذا معنى قولنا ألا نستسلم لكل ما هو مكتوب ومسطور في المدونات التاريخيّة.
وأن ندرك أن هذه المدونات التاريخية, في جملتها تشبه صفحات الحوادث والجرائم في الصفحات المعاصرة, فهذه الصفحات تصور جانباً من المجتمع, أو تصور الجانب المريض من المجتمع. دون الجوانب الحضارية من بناء وثروة وعمران وعلوم.
وأن التاريخ الإسلامي لا يوجد فيما يُسمّى كتب التاريخ كالطبري والبداية والنهاية والكامل وغيرها, وإنما يوجد أيضاً في كتب الطبقات مثل طبقات الفقهاء على المذاهب المختلفة، وطبقات المفسرين وطبقات الحفاظ وطبقات القُرّاء وطبقات الأطباء وطبقات الحكماء, وبالجملة الكتب التي تؤرخ لعلماء المجتمع ومؤسساته الحضارية المختلفة, فهذه مادة خصبة للتاريخ الإسلامي يغفل عنها كثير من الذين يبحثون عن التاريخ فلا يقعون إلا على سجلات الحوادث والجرائم.