فهرس الكتاب

الصفحة 10277 من 27364

وعلينا أيضا أن نحسن تفسير الحدث وقراءته ونضعه في سياقه التاريخي؛ فهناك حوادث وقعت حقيقة ولكنها تُفسر تفسيراً خاطئاً. على سبيل المثال: فتح الأتراك مصر والشام في عهد السلطان سليم فهذه حقيقة تاريخية, ولكن الخلاف في تفسيرها. فقد علمونا أن هذا كان استعماراً تركياً واستبداداً عثمانياً لنهب ثروات مصر, مع أن التفسير الحقيقي الصادق هو أن السلطان سليم جاء إلى الشام ثم مصر حينما انهزم السلطان قنصوة الغوري أمام البرتغاليين في معركة كالكوت على السواحل الإسلامية بالهند, وحينما دخل فاسكو ديجاما بجنوده من باب المندب، ووصل إلى جدة محاولاً هدم الكعبة والقبة الخضراء في المدينة فوجد السلطان سليم أن من العبث أن يقاتل الأوروبيين في الشمال، ويتركهم يلتفون حول البلاد الإسلامية ويدخلونها من وراء ظهره.. هذه هي القراءة الصحيحة للحدث.

وحدث آخر تتضح فيه القراءة الخاطئة والقراءة الصحيحة تماماً» ذلك ما درسونا إياه باسم الكشوف الجغرافية, فهذه في الواقع لم تكن حركة كشوف علمية، وإنما اسمها الحقيقي عند أصحابها الغربيين «الالتفاف حول الشواطئ الإسلامية وتطويق العالم الإسلامي» كما سمّاها توينبي المؤرخ الإنجليزي نفسه, أما نحن فاستخفوا بعقولنا وضحكوا علينا وسمّوها الكشوف الجغرافية.

وعلينا عند كتابة التاريخ أو عرض التاريخ أن نلاحظ المستوى العمري والعقلي الذي ندرس له التاريخ؛ فهناك مستوى ينبغي الاقتصار فيه على الملامح العامة الرئيسة, ثم هناك مستوى بعد ذلك يدخل في شيء من التفصيل, ثم هناك مستوى أكثر تفصيلاً إلى أن نصل إلي فيلسوف التاريخ الذي يبحث عن العلل والأسباب وليستخلص القوانين والنظريات, فهذا توضع أمامه الصورة كاملة بكل دقائقها.

العدوان على التاريخ بسلاح الموضوعية

وهل هذه ملامح المنهج الذي تدعو إليه في كتابة أو عرض التاريخ؟

الحقيقة أنني أشكو إلى الله هؤلاء الذين أُسميهم أدعياء الموضوعية, فهؤلاء باسم الموضوعية يعيدون في أخطاء وعثرات في التاريخ الإسلامي، وهي موجودة، ولا شك فليس رجال التاريخ الإسلامي معصومين, ولكن باسم هذه الموضوعية نجد هؤلاء يعمون عن كل شيء إلا الأخطاء والعثرات, بل لا يدققون فيما يروون ويحكون، فكثيراً ما يذكرون الأباطيل على أنها حقائق، وإذا ناقشتهم يُقال لك: ولماذا نخفي الأخطاء ونكون كالنعام? نحن نريد (الموضوعية) ..!! ومثال ذلك, نفي أبي ذر إلى الربذة, فقد أحصيت نحو مائتي كتاب عن أبي ذر وكلها تتحدث عن نفيه، وتدور حول عظمة أبي ذر كأنها لا تستطيع أن تثبت عظمة أبي ذر إلا إذا جعلت الآخرين غلاظاً قساة ظلمة ينفون هذا الزاهد العظيم, مع أن واقعة النفي هذه لم تحدث، وهي محض كذب واختلاق, وعندي دليل قاطع وهو حديث رواه البخاري عن أبي ذر نفسه, حينما سُئل عن واقعة النفي فقد نفاها أشد النفي، ولكن مازال هؤلاء (الموضوعيون) يرددونها.

ومن هنا أقول: لا يمكن أن نخفي الحقائق إطلاقاً, فنحن نعلم أننا لا نكتب تاريخاً لملائكة, وإنما نكتب تاريخاً لبشر, وكل بني آدم خطاؤون, فأبدًا لا أدعو إلى إخفاء الحقيقة, ولكن علينا أن نلتزم بضابطين: أن نتأكد أنها حقيقة بالأسلوب والمنهج العلمي. وأن نضعها في سياقها، ولا نقطعها عما قبلها، وما بعدها ونذكرها مجردة عن أسبابها ودوافعها وما يحطّ بها. ثم ينبغي أيضاً أن ننظر إلى المستوى العمري والعقلي الذي يقدم الموضوع.

ما تقييمكم للجوانب الفكرية للتيار الإسلامي المعاصر في ضوء خبرتكم التاريخية؟

ينبغي على جميع العاملين في الحقل الإسلامي أن يتأكدوا أن الخطوط متوازية وليست متقاطعة, فالجماعة التي تُعنى بالعمل الاجتماعي الخيري جهدها مقبول معروف غير منكور, والجماعة التي تُعنى بالعمل السياسي الإسلامي أو تُعنى بكل ذلك تصب في نفس المجال وجهدها مشكور مقدور. وعلى كل العاملين في الحقل الإسلامي أن يفسح بعضهم لبعض، ولا يعوق بعضهم عمل بعض، ولا ينتقص بعضهم عمل بعض» فالحقل الإسلامي يسع كل العاملين, بل إنني أدعو الإسلاميين جميعاً إلى التعاون الكامل مع كل التيارات المخلصة العاملة للأمة من قوميين, بل وعلمانيين ما داموا لا يسعون إلى إقصاء الآخر واستئصاله, وليعلم الجميع أنهم كلهم في خندق واحد, فليقبل الإسلاميون من بعضهم بعضاً، مادامت الوجهة كلها نحو إنقاذ الوطن والأمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت