إن بدايات الظهور الإسلامي في الإعلام الغربي كان مركبًا أساسيًّا في البناء المفاهيمي للصورة النمطية للإسلام في أجهزة الإعلام البريطانية، حيث تم تصوير المسلمين وكأنهم يمثلون كل ما هو معاكس للغرب، وبالفعل فإن بعض الكتابات الغربية - وحتى الإسلامية في بعض الأحيان - أدت إلى التركيز المطلق على أبنية مفاهيمية وقيم ثقافية لكل من الجانبين حينما تبنت النسق الغربي على أنه الإطار المفاهيمي الوحيد الذي يمكن من خلاله فهم الوجود الإسلامي والإخبار عنه.
إذاً أضحى الإعلام الغربي هو المصدر الإعلامي لفهم الإسلام..
وهذا ما أوضحه (نوبوأكي نوتوهارا) في كتابه (العرب وجهة نظر يابانية) حيث قال:
(نحن فهمنا بالتدريج،الآن أصبحت الأمور واضحة،في البداية كررنا ماقاله الاستشراق الغربي لم يكن عندنا مصدر آخر للمعلومات.أحسسنا أنهم لا يقولون الحقيقة أحياناً.والقضية الفلسطينية مثال ممتاز على ذلك،لقد فهمنا متأخرين هذا صحيح ولكننا فهمنا.
حتى الصحافة عندنا كانت تقدم القضية الفلسطينية لليابانيين نقلاً عن الإعلام الأمريكي والأوروبي أما الآن تغيرت الصورة الصحفيون أنفسهم فهموا أن ذلك الإعلام لايقول الحقيقة .. .. لقد فهمنا أن علينا أن نستقبل الكتابات الغربية بحذر وتدقيق وحيطة.يوجد صحفي ياباني معروف درس في إسرائيل وعاد مؤيداً للقضية الفلسطينية لأنه رأى بنفسه التناقض بين ما تقوله وسائل الإعلام الإسرائيلي وبين الواقع.انتهى)
و الإعلام الغربي بذلك قدم الأرضية التي تم فوقها بناء صورة للإسلام أصبحت في حكم التقديس
أو موثوقاً بصحتها على حد قول (إدوارد سعيد) .
ولا بد من الاعتراف بحقيقة أن الغرب قد احتل بالفعل مكانة سائدة في (الخطاب الإسلامي) غير أن بعض التقارير الصحافية الغربية - بل وبعض الكتابات الإسلامية - قدمت تصويرًا للوجود الإسلامي فقط من خلال علاقته بالغرب والهيمنة الغربية وكأنه مضاد للقيم الثقافية الغربية!
وقد أسقط تمامًا من حسابات هؤلاء الكُتَّاب أن فهم ودراسة المجتمعات الإسلامية لا بد وأن يتم في إطار منظومة من العلاقات وليس عنصر واحد مهما كانت قوته!
* الغرب واللا غرب.. (ثنائية الإسلام والغرب) :
إن الخطاب الإعلامي حول الإسلاميين كان يجنح لاستخدام ثنائيات الإسلام والغرب.
ويصور هاتين الفئتين على أنهما نقيضين!وكأن العالم تم تقسيمه إلى غرب و (لا) غرب.
وفي حال أن الـ (ـلا) مضافة لعالمنا الإسلامي فلابد أن (الأصل) مجرد من اللا.!
وبالتالي نجد أن هناك تناقضًا بين الحداثة التي يمثل الغرب خلاصتها بالحضارة والديمقراطية والعقلانية والحرية، وبين اللاحداثة التي تمثل البربرية واللاعقلانية والعبودية.
*الآراء تعبر عن كاتبها أم ماذا؟!
رأي الكاتب واتجاه القلم حق شرعي أياً كانت الديانة.
وفي المقابل فإن هذا الحق يحفظ للكاتب رأيه كما يحفظ للقضية حق المناعة ضد التحيز والمغالاة.
وهنا نأتي لـ اللب الذي لم نمنح فيه حتى حق القشور!
فالتقارير الصحافية التي تتناول الإسلام والمسلمين لا تقدم على أنها تقارير تحوي وجهات نظر سياسية تمثل كاتب المقال أو أنها قد تحوي - أحيانًا في طياتها - آراء متحيزة، إلا أنها تقدم وكأنها الحقيقة بذاتها لا تشوبها شائبة أو جهل بحقيقتها أو حتى عدم إلمام بحيثيات المجتمع الإسلامي.
وهنا ليس الدفاع منبرنا بل مطالبة فقط بمنبر منصف أياً كانت أخطاء الخطباء.
أياً كان الكاتب فرد أم جهة فرأيه نظرة لا قاعدة معممة..
وهنا يشير دوغلاس ليتل في كتاب"الاستشراق الأميركي.. أميركا والشرق الأوسط منذ 1945"عن دور الإعلام الأميركي في دعم رؤية أميركا الاستشراقية تجاه الإسلام والمسلمين.فيقول: أن من أبرز وجوه هذا الدعم حرص وسائل الإعلام الأميركي -كمجلة ناشيونال جيوغرافيك الأميركية العريقة- على تصوير مظاهر التقدم والازدهار في إسرائيل وما تتمتع به من طرق سريعة واسعة ومنشآت حديثة تشبه نظيرتها الأميركية، وفتيات صغيرات يزرعن الزهور في حدائق منازلهن، في الوقت الذي تم فيه التأكيد في صور العرب على سباقات الخيول وحياة الصحراء والطرق الفقيرة والمباني المتهدمة والعجائز الفقراء المستضعفين أو المسلحين المتهورين.
كما يقول يوسف معمري من المجلس الإسلامي لمارسيليا (بفرنسا) :
أن التلفزيون والصحف الفرنسية غالبا ما تنقل رؤية من جانب واحد ولا تعطي للسياسيين وزعماء الدين المسلمين مساحة كافية للإعراب عن رأيهم.
*الفصل بين الخبر والنطاق الاجتماعي!
أصبح أحد معالم التغطية الإخبارية العالمية هو الجنوح لتحقيق الفصل بين الحقائق الإخبارية والنطاق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي وقعت فيه، والذي أدى لظهورها بالأساس والذي لا يمكن فهم تلك الظواهر فهما صحيحًا إلا من خلاله.