فهرس الكتاب

الصفحة 10306 من 27364

هل معنى ذلك أن تصرف الأمة نظرها عن هذه الحركية الفكرية والسياسية المضادة لها، وتتجه نحو بناء قدراتها الذاتية ؟

التركيز على بناء القدرات الذاتية هو الأساس. ولكني لا أقصد هنا أن تنكفئ الأمة على نفسها وتترك العالم يموج من حولها، لأن التعاطي مع التحديات جبلة بشرية، وضرورة حياتية، وقد تكون وجودية أحيانا. ولكن قصدي هو: الانتباه إلى ما في هذه الحركية المضادة أو المستفزة، من قصد منهجي إلى شغلنا عن الأوليات الحقيقية لنهضتنا الحضارية، بل وقصد إلى شغلنا بأولويات أخرى تصب في خدمة استراتيجيات مضادة لنهضتنا ومضرة بها . وهنا يكمن الإشكال ويتجلى الخطر. لقد نبهنا القرآن إلى هذه الأبعاد في التحديات والمثيرات الخارجية والداخلية، كما نرى ذلك في قوله تعالى: ( وإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) .

فالقرآن يعلمنا منهجية التعاطي مع التحديات والمثيرات، حتى نحافظ على توازننا الفكري والنفسي والسلوكي، ونتجنب تبديد فاعليتنا الاجتماعية، ولا نمكِّن خصومنا من خدمة استراتيجياتهم على حسابنا. ولا شك أن هذا يحتاج إلى رد الأمر إلى خبراء الدعوة والمجتمع والدولة في أمتنا، ليوازنوا الموقف ويسددوه بكفاءة وحكمة، ويدفعوا به في اتجاه خدمة مصالح الأمة، وتحقيق التواصل المتوازن بين البشر في الأرض.

هذا من الناحية النظرية، و لكن كيف تعاطت الجالية المسلمة عمليا، مع حركة الإساءات التي بلغت ذروتها في الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام؟

لقد تنوعت وتباينت أشكال التعاطي، وتراوحت بين الاحتجاجات المكتوبة والشفهية والتجمعات واللقاءات الفكرية والإعلامية والقانونية، وكان في ذلك فوائد كثيرة بالنسبة للجالية التي تكتشف مع كل تحدي أو استفزاز طرقا ووسائل جديدة للعمل والتواصل مع المجتمع، كما تكتشف كذلك نواقص و اختلالات كثيرة في وعيها ومناهج عملها، وفي ذلك خير لها و للمجتمع .

وأذكر كمثال على هذا التعاطي الفعال، أنني شخصيا شاركت في ندوة إعلامية كبيرة، دُعي لها ما يقرب من 300 إعلامي من مختلف وسائل الإعلام بالنرويج، بالإضافة إلى النقابات المرتبطة بالقطاع الإعلامي والمنظمات الحقوقية، واستغرق الحوار بيننا وبينهم أكثر من ثلاث ساعات بحضور المسئول عن نشر الرسوم المسيئة، وكانت النتيجة أن الكثير من الحاضرين كانوا ضد هذه الرسوم وغير مستسيغين لها، مع أنهم كانوا مجمعين كلهم على قداسة حرية الرأي والصحافة عندهم. وكانت فرصة كبيرة لنا نحن ممثلي الجالية في المدينة التي نظمت بها الندوة، لنقدم الرؤية الإسلامية المتوازنة لحرية الرأي وكيفية ارتباط ذلك بالمسؤولية، وبضرورة حماية حقوق الآخرين، انطلاقا من القاعدة الذهبية التي تقول:"حريتك تنتهي عندما تبدأ حريتي أو عندما تنتهك حريات وحقوق الآخرين".

وكان من بين ما أكدنا عليه في هذا الإطار هو أن الإسلام تجاوز مرحلة إقرار حرية الرأي والنقد وتحبيذها، إلى مرحلة إيجابها عندما يتعلق الأمر بحماية حقوق الآخرين ورفع المظالم عنهم، والدفاع عن المصالح العامة للمجتمع والإنسان، واعتبر ذلك من أهداف المجتمع المسلم وخصائصه الطبيعية الذاتية التي لا تنفك عنه، ومن الشروط الأساسية لفاعلية أدائه الاجتماعي والحضاري.

ماذا عن رد فعل المسئول عن نشر الصور المسيئة؟

لقد أبدى بعض المجاملة لنا في حديثه عن الموقف، وأنه لم يكن يتصور كل هذه النقمة عليه. ومما لاحظته في هذه الندوة الهامة هو أن هذا الصحفي كان يحس بالعزلة لأن الغالبية استهجنت موقف الجريدة، بما في ذلك ممثل الكنيسة الذي كان معنا، وشاركنا في موقفنا على طول الخط، مع أن الخط الفكري لهذه الجريدة خط ديني كنسي بصفة عامة، وإن كان أكثر يمينية وتحسسا من الإسلام والمسلمين.

الغربيون يفسرون هذه التصرفات باعتبار أنهم يشعرون بأن قيمهم الديمقراطية"مهددة"من قبل ما يصفونها"الأصولية الإسلامية". ما رأيكم؟ كيف يمكن مواجهة هذا التشويه"الممنهج"للدين الحنيف؟

هذا صحيح، وهو جانب مهم جدا من خريطة التفسير الصحيح للموقف الغربي عامة من الإسلام والوجود الإسلامي بالغرب، بل وحركة الحضور الإسلامي على الصعيد العالمي. فالغرب خائف من تنامي الظاهرة الإسلامية في مجتمعاته، في ظل معطيات ديموغرافية واجتماعية وروحية تفسح المجال للظواهر الدينية عامة والظاهرة الإسلامية منها خاصة بالتأثير في هذه المجتمعات ! وإن كنت أرى بأن هناك مبالغات كثيرة في هذه المخاوف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت