فهرس الكتاب

الصفحة 10307 من 27364

ولكن اسمح لي أن أضع الجواب على هذا السؤال في إطاره السنني الكلي، من أجل وعي أكثر موضوعية وفعالية في تحليل الظواهر والتعاطي الإيجابي معها. وحتى لا تستغرقنا جزئيات المدافعة الاجتماعية المتسارعة فننسى القوانين الكلية التي تحكمها، ويضطرب موقفنا منها، ويتشتت تعاطينا معها، وننجرف وراء الأعراض والنتائج على حساب المقدمات والمؤثرات الفاعلة فيها كما أسلفت.

فالحياة تحكمها سنة الله في"التدافع والتجديد"التي لا تتغير ولا تتحول. فمن استطاع أن يحقق شروط التجديد الذاتي في نفسه، أمكنه أن يرفع مستوى فعالية مدافعته الاجتماعية، ويعزز فرص مواكبته أو منافسته أو ريادته ومداولته الحضارية.

فالغرب أو الشرق أو أي مجتمع أو أمة في الأرض محكومة بقانون المدافعة الاجتماعية، حتى تحافظ على وجودها أولا، وتوفر شروط التألق الحضاري لهذا الوجود كلما أمكنها ذلك ثانيا. تلك سنة الله في الاستخلاف البشري .

ونحن لا نلومه على ذلك، ولكن نلوم أنفسنا ابتداء، عندما لا نمتلك القدرة على التخفيف من مخاوفه، وعلى العجز عن إقناع المجتمع الغربي بأن الوجود الإسلامي فيه، يشكل إضافة نوعية لا يستهان بها، وعامل وقاية استراتيجية بالغة الأهمية للحضارة الإنسانية المعاصرة، لو استطاع الغرب أن يحقق انفتاحا حقيقيا على الروحية والأخلاقية والتكاملية الاجتماعية في الإسلام.

كيف لا يلام الغرب على مواقفه المتطرفة تجاه مقدسات الآخرين خاصة ومصالحهم عامة ؟

اللوم من منظور المثالية الأخلاقية لا بد منه، لأنه يدخل في أضعف الإيمان، وهو حاصل باستمرار، وخاصة من القوى المستضعَفة التي عادة ما لا تمتلك من مقومات الانتصاف سواه، ولكنه من منظور سنن المدافعة الاجتماعية أمر لا معنى له، وخاصة عندما يتعلق الأمر بلوم القوى المستبدة المستكبرة أو المعادية، التي لا تقيم أي وزن للبعد الأخلاقي في تصرفاتها ومواقفها، كما لا تقيم أي وزن إلا للقوى الندية القادرة على حماية مصالحها بنفسها. فالوضع هنا يشبه تماما من يستجيب لمغريات الشيطان ووساوسه ثم يلوم الشيطان على الإيقاع به وتدمير وجوده! في الوقت الذي كان عليه أن يلوم نفسه ويقوّم ضعفه وقصوره.

فنحن نلوم غيرنا وقد نندد به على ما يُلحقه بمقدساتنا ومصالحنا من أذى، ولكن ذلك لن يجدي نفعا على صعيد المدافعة والمداولة الاجتماعية الحضارية، إذا لم نجدد ولم نطور قدراتنا الذاتية التي تسمح لنا بالمنافسة والمناجزة الفاعلة عند اللزوم. فمنطق المدافعة لا يحفل بالضعفاء الذين لا يمتلكون القدرة على حماية أنفسهم ومقدساتهم ومصالحهم، مهما كان الحق معهم، لآن الحق بدون قدرة فعلية تجسده وتحميه، يظل أملا في النفوس، وكلمات صامتة في بطون الكتب.

ومع الأسف فإن وضع المسلمين؛ أفرادا ومجتمعات ودولا.. لا يسمح لهم بالانتقال من مرحلة اللوم والتنديد إلى مراحل فرض احترامهم على العالم، والحكمة تقول: ومن يهن يسهل الهوان عليه ! بالرغم من أن القرآن علم المسلمين منطق المدافعة الاجتماعية، وأرشدهم إلى شروط فعالية هذه المدافعة، من خلال تأكيده على سنة التجديد الذاتي الدائب، الذي يشحذ قدرات الوعي والبناء والوقاية لدى الفرد والمجتمع والدولة، كما جاء ذلك في قوله تعالى:" ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ."

ففعالية المدافعة الاجتماعية هي التي توفر شروط وقدرات تحقيق التوازن في حركة المدافعة والمداولة الحضارية بين المجتمعات والأمم، وتحمي المقدسات والمصالح، ومن عجز عن تجديد مستوى فاعلية مدافعته الاجتماعية، قذفت به حركة المدافعة في مستنقعات الغثائية والتبعية الحضارية الذليلة.

لكن ما أسباب هذا العجز عن إقناع الغرب بهذه الإضافة النوعية الإسلامية؟ وما أسباب فشل الغرب في الانفتاح الحقيقي على هذه الإضافة النوعية الضرورية بالنسبة له، في ظل ما تعانيه حضارته المعاصرة من ضمور في المعاني الروحية وتدهور في القيم الأخلاقية، وطغيان للمادية والفردية في نموذجه الاجتماعي والحضاري؟

أسباب عجزنا نحن المسلمين كثيرة، ولكن يمكن تلخيصها في ضعف الوعي السنني التكاملي لدى المسلم المعاصر عامة، وهو ما ينعكس بالضرورة على ضعف روحيته الداخلية، وعلى ضعف أخلاقيته السلوكية، وعلى ضعف بل وسلبية فعاليته الاجتماعية، وتقهقر مستمر في موقعه الحضاري . فالوعي السنني المتكامل هو المدخل المنهجي الصحيح لتفسير كل هذه الحلقات المترابطة من الضعف، ووضع اليد على مكامن العجز في الأمة من ناحية، كما أنه المدخل المنهجي الصحيح لإدراك الشروط الموضوعية الصحيحة لتحقيق الإقلاع الحضاري المطلوب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت