فنحن لا نمتلك القدرة على نقل إشعاع الإسلام للآخرين، لأن هذا الإشعاع غير موجود أو غير مكتمل فينا؛ عقيدة وإرادة وسلوكا وتواصلا مع العالم.. و فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال ! ولست في حاجة إلى التدليل لك عن مظاهر الضعف والعجز التي يعاني منها وعينا الفكري، وروحيتنا الداخلية، وأدائنا السلوكي والاجتماعي، لأن القصور في هذا المجال أكثر من أن يحتاج إلى تدليل !
لكن مع ذلك أحتاج منك إلى بعض الأمثلة إن أمكنك ذلك؟
أعطيك مثالا واقعيا واحدا قد يغني عن الكثير من الكلام. مع بداية أحداث 11 سبتمبر 2001 بأمريكا وما أحدثته من ضجة بل وخلخلة كبرى في العالم، وما نجم عنها من تعبئة فكرية ونفسية وسياسية غير مسبوقة ضد الإسلام والمسلمين في الغرب عامة، جاءني شخص محترم في بداية العقد الخامس من عمره، وطلب مني أن أعرِّفه بالإسلام، فمكثت أحدثه ما يقرب من أربعة أشهر، انتهت باعتناقه الإسلام عن قناعة. وكان مما لفت انتباهي بشدة سؤاله لي في نهاية الجلسات الأخيرة من لقاءاتنا الطويلة، بعد أن اتضحت له الكثير من معالم الخريطة العقدية والفكرية والاجتماعية والحضارية للإسلام: هل هذه الأمور التي ذكرتها لي عن الإسلام يدرسها المسلمون ؟ أو هل يعرفها المسلمون ؟
لقد فهمت من سؤاله أنه وقع في حيرة شديدة بين عظمة الإسلام وجاذبيته العقدية والفكرية والروحية والأخلاقية والاجتماعية من ناحية.. وبين ضعف واضطراب بل وتعاسة واقع المسلمين؛ أفرادا ومجتمعات ودولا، من ناحية أخرى، إلا من رحم الله ! فالمسلمون بضعفهم، واضطراب أحوالهم السلوكية والاجتماعية، وتفرق رابطتهم السياسية، يشكلون أكبر حاجز بين الإسلام والآخرين، ولولا القوة الذاتية في الإسلام لانتهى تأثيره ووجوده منذ زمن. ويوم يتطابق وعي المسلمين وأدائهم السلوكي والاجتماعي مع الإسلام، ويكفوا عن تحكيم أهوائهم وأعرافهم ومصالحهم الذاتية فيه، ستتغير معطيات كثيرة في الخريطة الفكرية والاجتماعية والحضارية العالمية.
وكأني بهذا السيد الكريم يقول بلسان حاله:"الحمد لله الذي أكرمني بعبور الحاجز الضخم الذي يضربه المسلمون بين الإسلام والعالم"! مكررا بذلك ما قاله مسلم آخر أسلم قبله في النصف الأول من القرن الماضي، وهاله البون الشاسع بين واقع المسلمين وحقيقة الإسلام، فقال:"الحمد لله الذي عرَّفني بالإسلام وأكرمني باعتناقه قبل معرفة المسلمين ولو حدث لي العكس لكنت ربما من الهالكين"!
هذا عن أسباب عجزنا نحن عن نقل إشعاع الإسلام إلى الآخرين، ولكن أكرر لكم سؤالي هنا: ماذا عن أسباب فشل الغرب في الانفتاح الحقيقي على هذه الإضافة النوعية الضرورية بالنسبة له، في ظل ما تعانيه حضارته المعاصرة من ضمور؟
لاحظ أولا بأن الغرب التاريخي والغرب المعاصر استفادا من الخبرة الحضارية الإسلامية بشكل وظيفي برجماتي ذكي وفعال جدا. فقديما أخذوا منا الخبرة العلمية وأسسوا عليها نهضتهم الحضارية العالمية الكبرى، وحديثا يستفيدون جدا من كفاءاتنا العلمية الضخمة التي يتصيدونها ويوفرون لها شروط تفجير عبقريتها لاستثمارها في خدمة مصالحهم ودعم استراتيجياتهم في العالم. وهنا يبرز جانب مهم من عبقرية الغرب في التعاطي مع الخبرات البشرية السابقة أو المعاصرة دون أن يقع في الاستلاب لها، بعكس ما يحدث لنا نحن في علاقتنا بخبرته المعاصرة التي انقسمنا تجاهها إلى فريقين؛ فريق وقع في معضلة الاستلاب لها إلى حد العمالة أحيانا ! و فريق وقع في معضلة التزهيد فيها والمخاصمة لها باعتبارها خبرة حضارية جاهلية لا خير فيها ! وضاعت مصلحة الإسلام والأمة بين الاستلاب للغرب والاستلاب للتاريخ.
أما عن أسباب عدم استفادة الغرب من الأقليات المسلمة في مجتمعاته، فإنه يمكن إرجاع بعضها إلى ضعف أداء هذه الجاليات نفسها، فهي متشرذمة وغير قادرة على تعبئة نفسها، وتعاني من عزلة اجتماعية وسياسية، وعاجزة عن تحقيق اندماجها الفعال في المجتمع. كما ترجع بعض الأسباب إلى خوف الغرب من دمج الأقليات المسلمة وإصراره على منطق تذويبها أو تحويلها إلى مجرد سخرة خدمية عابرة، يطبق عليها قانون:"استعمل وارم"! فلحد الآن لم يستطع المجتمع الغربي أن يحدد بوضوح ماذا يقصد بالاندماج؟ أضف إلى ذلك النزعة المركزية الاستعلائية التي ينظر بها الغرب بصفة عامة إلى غيره.
ما المطلوب من المسلمين في باقي العالم؟ وكيف يمكننا أن ندافع عن مقدساتنا من غير أن نمنح الآخرين فرصا إضافية في الانتقاص منا؟