فهرس الكتاب

الصفحة 10309 من 27364

المطلوب منهم هو أن يستثمروا المزيد من الجهد والوقت والإمكانات، في بناء وعيهم بسنن الله في"المدافعة والتجديد"، وأن يبنوا واقعهم الفردي والاجتماعي على ضوء ذلك، وأن يتجاوزوا وضع الخرافة و التجزيئية و التنافرية والتشرذم والمظهرية الخاوية التي يعيشون فيها، إلى وضع العلمية المنهجية التكاملية المستنيرة، التي تغير ما بأنفسهم من ضعف و غثائية واستلاب وتبعية ابتداء، وتعيد بناء علاقاتهم بالعالم على أسس جديدة؛ قوامها الاعتزاز بذاتيتهم ورسالتهم الحضارية، والانخراط بكل جدية وثقة في تحقيق استراتيجية التكاملية الحضارية التي جاء بها الإسلام، وطرحها بديلا حضاريا إنسانيا عن استراتيجيات الصراع والاستعمار والاستضعاف التي حكمت وتحكم العلاقات الحضارية بين البشر قديما وحديثا.

وكما أشرتَ في سؤالك فإن قصور الوعي السنني الشمولي التكاملي، في التعاطي مع المثيرات والتحديات الداخلية والخارجية، كثيرا ما يعطي فرصا ثمينة لخصوم الإسلام وأمته، لتحقيق مقاصدهم بكل يسر! كما يتجلى ذلك على سبيل المثال في ردود الأفعال غير المنضبطة التي يحولها الخصوم عبر وسائل الإعلام والاتصال، ومخابر التحليل والابتزاز السياسي، وحركات الضغط الاجتماعي.. إلى شواهد إدانة للإسلام والمسلمين، وتحريض ضدهما، وتأليب للرأي العام عليهما، وتوسيع للهوة بينه وبينهما.

فنحن عادة ما نستجيب للاستفزاز الموجه، ونندفع بحماسة شديدة في سلسلة من الأفعال والمواقف القولية والعملية المتناثرة، ثم سرعان ما نبرد ونخلد إلى السكون، في الوقت الذي يكون غيرنا ممن يهمه تعويق نهضتنا الحضارية، قد احتفظ بشواهد الإدانة لنا، وعكف على تحليلها وإعادة بنائها، وضبط الخطوات المنهجية للمراحل التالية من حركة الاستفزاز لنا، و مراكمة شواهد الإدانة والتشويه والعزل لنا.

هل يمكن أن تعطينا بعض الأمثلة ذات الصلة بحادثة الصور المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام؟

الأمثلة أكثر من أن تحصى، وسأذكر لك مثالا واحدا وهو عبارة عن شريط مطول عرضته قناة تلفزيزنية نرويجية حرة ( TV2 ( الأسبوع الماضي، استرجعت فيه قصة ردود الفعل على الرسوم، وقدمت معطيات تركيبية حية كثيرة، تعد شواهد إدانة لتعاطي المسلمين مع الحدث، من خلال إظهارهم بأنهم ضد حرية الرأي، وأنهم يريدون فرض وجهة نظرهم ونمط حياتهم على الآخرين في عقر دارهم، وأنهم لا يملكون وسيلة للتعاطي مع المخالفين لهم في الرأي غير القوة التي تسري في دمائهم.. إلى ما هنالك من الاستنتاجات الكثيرة التي يخرج بها من يرى هذا الشريط. مع أن منتجي الشريط أوضحوا منذ البداية بأن عملهم إعلامي محايد، يستهدف عرض الحقائق كما هي وترك الحرية للمشاهد ليستنتج ما يراه !!

ومن يتتبع الحركة الإعلامية و السينمائية و الفنية والثقافية و الاجتماعية و السياسية في الغرب .. يقف على نشاط يومي ضخم، يصب جزء كبير منه في اتجاه إدانة المسلمين والإسلام، وتشويه صورتهما، وتعميق عزلتهما في الساحة العالمية.

وأنبه أولا إلى أهمية ما أشرت إليه في سؤالك السابق، عن استثمار بعض وسائل الإعلام وبعض الأشخاص لبعض هذه الأحداث لتحقيق الشهرة والكسب المادي، وهذا أمر صحيح فعلا، فإن العديد من المؤسسات المغمورة، والأفراد المغمورين الذين يريدون الإثراء وتحقيق شهرة لهم، يعمدون إلى مغامرات فجة يصدمون بها الرأي العام، فتتلقف عنهم ذلك وسائل الإعلام وأجهزة الصراع الفكري، وتروج له، فيصبح هؤلاء أبطالا وشخصيات عالمية بين عشية وضحاها ! وقد كاد هذا الأسلوب يصبح صناعة كاملة لدى كثير من المغمورين وأصحاب العقد.

ولا شك أن هذا يقتضي منا يقظة كبيرة، وموازنة دقيقة بين المصالح والمفاسد، حتى لا نتيح لمثل هؤلاء المغمورين والمرضى، الظهور على حساب الحقيقة والمصلحة. وأرى بأن القاعدة العامة التي ينبغي أن تحكم موقفنا من هذه الفقاعات بل وحتى الظواهر منها، هي التجاهل والاستيعاب غير المباشر لها، كما علمنا ذلك القرآن حينما أكد على أهمية الإعراض عن الجاهلين: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) . أو في قوله جل و علا: ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) .

إن استراتيجية التجاهل أو الاستيعاب غير المباشر للأفعال والمواقف العدوانية المتشنجة، علاج فعال جدا في تفريغها من شحناتها التأثيرية السلبية، لأن ذلك لا يتيح لها فرصة التكرار والشيوع والتفاعل، بل يعمل على تجاوزها بل و محوها من الذاكرة بسرعة، وخاصة في عالم تزدحم فيه على الذاكرة أحداث متوالية ينسي بعضها بعضا.

ماذا تقصدون بالاستيعاب غير المباشر لمثل هذه الفقاعات والظواهر كما سميتموها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت