أقصد به عدم الغفلة الكلية عما يلقى من الشبهات، وما يروج له من زيف فكري في حق الإسلام العظيم، أو في حق نبيه الكريم، أو في حق التجربة الحضارية الإسلامية الإنسانية، أو في حق نهضتنا الحضارية المعاصرة.. بل لا بد من انتهاج استراتيجية وقائية محكمة، لمواجهة هذا الزيف الفكري ولكن بشكل هادئ غير مثير، يصحح الموقف ويمتص ما فيه من شحنات سلبية دون إشعار الخصم أو الرأي العام المعني بأننا نقوم بعمل مضاد ومجابه. لأن الفعل المجابه عادة ما يثير حاسة التحفظ لدى الآخرين من غير المعنيين، فما بالك بالمعني بها مباشرة، فإن رد فعله يكون أكثر عدوانية وشراسة ! و لتكن لنا عبرة في الحكمة القائلة: اصبر على حسد الحسود فان صبرك قاتله. كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله. دون أن نغفل طبعا عن قضية الاستثناءات التي قد لا يفيد فيها منطق التجاهل والاستيعاب غير المباشر، بل تنفع معها المجابهة وكشف أوراق المتطاولين، وهذا أمر متروك لتقدير خبراء الدعوة والمجتمع والدولة في المجتمع والأمة .
على ضوء تصريحات البابا بينيدكت السادس عشر مؤخرا ، جزم كثير من المتابعين أن بابا الفاتيكان من خلال هذا الموقف، قرر إطلاق رصاصة الرحمة على ما يعرف بحوار الأديان.. ما تعليقكم على ذلك ؟
لا بد أن نؤكد أولا على أن حوار الثقافات والحضارات في المنظور الإسلامي ليس خيارا ثانويا أو تكتيكيا، بل هو قيمة مبدئية كلية لا بديل عنها، وخيار محوري في بناء العلاقات الحضارية بين البشر، كما جاء تأكيد على ذلك في القرآن: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) . والبديل الطبيعي للحوار الحضاري هو المواجهة والصراع بكل ما فيه من انتهاك لحقوق الآدمية وشرفها، وهدر لمقدرات خلافتها في الأرض، وتصعيد لآلامها وعذاباتها. ولذلك كانت استراتيجية التكاملية الحضارية، التي تتجلى في الآية السابقة، هي خيار الإسلام في بناء العلاقات الحضارية بين البشر، ونحن لا بد أن نصر على ذلك، وأن نعمل بكل جدية على المساهمة في تجسيده .
ولما كان حوار الأديان والثقافات يحتل موقعا محوريا متقدما في حوار الحضارات، فإن الإصرار على قيامه و استمراريته ونجاحه، يجب أن يظل في مقدمة أولويات الأمة من ناحية، وأولويات المنظمات الدولية الثقافية والسياسية من ناحية أخرى. وأنا أتمنى أن تضطلع نخبتنا الفكرية ومؤسساتنا الثقافية بدورها الفعال في هذه المهمة الحضارية الإنسانية بل والكونية، وأن لا تقعدها أو تثبطها المعوقات والأخطاء التي تقع هنا أو هناك.
لذا فإنني مقتنع تماما بأن أي زهد في التواصل الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي بين الأديان والثقافات والحضارات، من أجل التعارف المباشر، والتصارح المتبادل، وحتى التجادل العلمي البناء، هو ضيق في الأفق، وانحسار في الوعي بمقاصد الدين، وابتسار لشموليتها وعالميتها وإنسانيتها و كونيتها من جهة، وتبسيط واختزال وقفز على منطق السنن التي تحكم حركة الاستخلاف البشري في الأرض من جهة أخرى، ومؤشر على الخوف وعدم الثقة في قوة وقدرة الفكرة الدينية أو الثقافية المتبناة، على الانفتاح والمحاورة والإقناع والصمود، عندما توضع على محك النقد الفاحص، والمجادلة العلمية الجادة، والممارسة السلوكية والاجتماعية .
وعلى ضوء هذا، تبدو لي خرجة البابا خاطئة تماما، وكانت نتائجها معاكسة حتى في المجتمع الغربي العلماني منه والكنسي، كما نلمس ذلك من ردود أفعال مفكرين وكتاب كثيرين في الغرب. لأنها جاءت منافية لحقيقة الإسلام ومنطق تاريخه الثقافي والحضاري، الذي طبعته العلمية والعقلانية إلى حد كبير، كما شهد بذلك علماء غربيون كثيرون، بما فيهم بعض عتاة الماركسية، كما نرى ذلك على سبيل المثال في هذه الشهادة للمفكر اليهودي مكسيم رودنسون الذي اعترف بأن العقلانية تحتل مكانا بارزا في القرآن، وخلص في إحدى مقارناته بين القرآن والعهدين القديم والجديد إلى التأكيد على أن العقلانية القرآنية تبدو صلبة كالصخر !
هل من كلمة أخيرة، ترغبون في قولها عبر موقعنا؟
أود في الأخير أن أنبه أبناء الأقليات المسلمة في الغرب كله بصفة خاصة، وأبناء الأمة بصفة عامة إلى أهمية إتاحة الفرصة للنبتة الإسلامية في المجتمعات الغربية لتنمو بشكل طبيعي، وتأخذ مكانتها الطبيعية في هذه المجتمعات، وتساهم في خدمتها وصياغتها ووقايتها بشكل طبعي .