فهرس الكتاب
وقد وضع تطور هذه العلوم ذات المحتوى والمنهج الواضحين الاستشراق في أزمة منهجية، وسبق القول ذكر غياب المنهج في الدراسات الاستشراقية، وقد كان ذلك مقبولاً في الماضي لان معظم العلوم لم يكن لها مناهج واضحة. كما أن العلاقات بين العوم المختلفة لم تكن قد حسمت بشكل يدع كل علم مستقلاً عن الآخر محتوى ومنهجاً.
والخاصية الأساسية في العلوم الإنسانية والاجتماعية هو ميلها الواضح إلى التخصص وهو ما يفتقد إليه الاستشراق الذي اتسم بالموسوعية والشمولية المعرفية. وبهذا وجد المستشرق نفسه مضطراً إلى تحديد موقفه العلمي من هذه العلوم ذات التخصص الواضح والمنهج المبين . وقد طرح هذا السؤال لان الاستشراق يعالج كل الموضوعات الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالشرق، وهو يفعل ذلك دون منهج واضح وبعيداً عن التخصصية التي تميزت بها العوالم الأخرى. ومن الأسئلة المطروحة مثلاً: كيف يدرس المستشرق المجتمع المسلم؟ هل يطبق عليه المنهج المستخدم في علم الاجتماع لدراسة المجتمعات.
ولكننا يجب أن نضيف هنا -مع التقدير والاحترام للدكتور خليفة- أن الاستشراق التقليدي الذي كان يهيمن على مجالات الدراسات العربية والإسلامية قد اختفى إلى حد كبير- ونقول ذلك بسبب وجود بعض الباحثين الغربيين المعاصرين الذين يخوضون في كل ما يخص الإسلام والمسلمين- وأصبحت دراسة العالم الإسلامي تتم بالتنسيق بين قسم دراسة الشرق الأدنى أو الأوسط وبين الأقسام المختلفة . بل أصبح دور هذه الأقسام أو المراكز كما يطلق عليها في بعض الجامعات هو دور المنسق بين مختلف التخصصات. وفي جامعة كاليفورنيا فرع بيركلي تتم دراسة العالم الإسلامي في ثمانية عشر قسماً. وقد لاحظت في جامعة برنستون رسائل علمية للماجستير والدكتوراه تتم بالتنسيق بين قسم الاستشراق وبين قسم الاجتماع أو قسم الأنثروبولوجي أو الاقتصاد وهكذا.
3-غياب المنهج في الاستشراق:
نظراً لان نشأة الاستشراق وتطوره كان رد فعل لظهور الإسلام وانتصاره على اليهودية والنصرانية وانتشاره في المناطق التي كانت تابعة لهاتين الديانتين أصبح الاستشراق يمثل اتجاهاً فكرياً معادياً للإسلام منذ البداية، ولهذا السبب افتقد الاستراق مقومات العلم والمعرفة الموضوعية التي تسعى إلى اكتساب المعرفة ذاتها، ومعرفة الأمور معرفة موضوعية.
وتطور الاستشراق وهو يساير حركة الإسلام كدين في انتشاره ومواكباً للمسلمين في قوتهم وضعفهم وهو يحاول جاهداً أن يضع العراقيل أما انتشار الإسلام ويجابه المسلمين كقوة سياسية ودينية وحضارية وعلى الرغم من تعدد مجالات الاستشراق ووجود مجال علمي محدد سعى فيه بعض المستشرقين إلى المعرفة الإسلامية كموضوع للقراءة والاطلاع والبحث لكن غلب على الاستشراق من موقف العداء والكراهية، وبالتالي لم يتمكن المستشرقون من تكوين رؤية موضوعية عن الإسلام كما لم يتمكنوا من تطوير منهج واضح يدرس الإسلام من خلاله وقد تراكمت المعرفة الاستشراقية عبر القرون وغطت كل مجالات الإسلام وأصبحت تمثل كماً معرفياً ضخماً غير قابل للتصنيف العلمي وغير متحد في منهجيته، وهناك عدة أسباب يمكن ان تفسر غياب المنهج في الدراسات الاستشراقية:
أ- عدم ظهور الاستشراق منذ البداية كعلم واضح له مجاله المحدود وله منهجيته المحدودة فالاستشراق كما ذكرنا تراث ضخم من المعرفة حول الإسلام تراكمت عبر القرون وأصبح من الصعب إخضاعها للوصف العلمي المنهجي خاصة وان المستشرقين الأوائل لم يهتموا بأمور المنهج قدر اهتمامهم بتشويه المضامين الإسلامية وتحريف الحقائق حول الإسلام ووضع الأساليب والوسائل التي توصل إلى تحقيق هذا الهدف غير العلمي بل إن هناك ما يمكن تسميته بسوء استخدام المنهج والمقصود بهذا إخضاع المنهج لتحقيق أهداف الاستشراق. أو استخدام العناصر المنهجية استخداماً خاطئاً من أجل تحقيق أهداف التشويه.
ب- تغطية الاستشراق كل مجالات الفكر الإسلامي جعل من الصعب تطوير منهج واحد يمكن تطبيقه على كل هذه المجالات، فالدراسات الاستشراقية حول الإسلام تغطي المجالات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية والأدبية والفنية والأخلاقية والفلسفية والعلمية التجريبية مثل مجالات العلوم عند المسلمين كالطب والكيمياء والصيدلة والرياضيات والفلك. ومن المعروف أن كل مجال من هذه المجالات يغطي علماً من العلوم أو فناً من الفنون له منهجه الخاص به وقيام المستشرق الواحد بدراسة الإسلام هذه الدراسة الشمولية معناه أن يعمل المستشرق بأكثر من منهج في الوقت الواحد فهو إذا اشتغل بالاقتصاد الإسلامي يستخدم المنهج المناسب لهذا المجال ، وإذا درس المجتمع الإسلامي فهو يستخدم المنهج الاجتماعي وإذا درس الدين والعقيدة الإسلامية فهو يستخدم المنهج الديني (اللاهوتي) ، في الفلسفة يستخدم المنهج الفلسفي وهكذا.
4-الصحوة الإسلامية ودورها في تطوير النقد الإسلامي للاستشراق.