فهرس الكتاب
تعود أزمة الاستشراق المعاصر إلى سبب إسلامي يضاف إلى الأسباب الأخرى التي نتجت بفعل الأسباب الخارجية التي تخص الاستشراق بصفتها حركة فكرية غربية، فقد أدت الصحوة الإسلامية إلى تطور وعي ديني قوي أدى إلى عودة إسلامية إلى مصادر الدين، وإلى حركة علمية إسلامية ضخمة تناولت جميع جوانب الفكر الإسلامي، كما أدت إلى معرفة إسلامية جيدة بالغرب وحضارته وثقافاته. وقد اصبح المسلمون - بفضل الله ثم بفضل هذه الصحوة- على وعي كامل بالاستشراق بصفته حركة من الحركات التي المناهضة للإسلام فترجمت بعض أعمال المستشرقين إلى اللغة العربية ولغات إسلامية أخرى، وكتبت مؤلفات إسلامية باللغات الأوروبية تقدم الإسلام إلى الغرب بصورة سليمة، ونتج عن هذا حركة إسلامية نقدية لأعمال المستشرقين، وبدأ المسلمون يتعاملون مع الاستشراق تعاملاً علمياً، ينقدون سلبياته ويعترفون بإيجابياته ويشتركون في مؤتمرات المستشرقين، وبدأ ظهور بعض الشخصيات العلمية المسلمة في الجامعات الغربية ومراكز بحوثها وهم بلا شك يسهمون في تغيير الصورة الاستشراقية التقليدية عن الإسلام والمسلمين. ومن أمثال هؤلاء الدكتور إسماعيل راجي فاروقي، والدكتور خالد يحي بلانكنشب، وجاكسون، وسليمان ناينج، وابراهيم العاني، وغيرهم- وان كانوا قلّة.
وقد أحس المستشرقون بهذا النقد الإسلامي لأعمالهم، وعرفوا انهم فقدوا ثقة المسلمين في الاستشراق، في الوقت الذي ازداد المستشرقون اتصالاً بالعالم الإسلامي فحصل بعضهم على الصور الحقيقية لهذا المجتمع، كما كان لبعض الأعمال الإسلامية الناقدة للاستشراق أثر كبير في تعميق أزمة الاستشراق وكشفه أمام أصحابه كقوة فكرية مناصرة للاستعمار والتنصير والصهيونية. ويمكن أن نعود بنقد الاستشراق إلى بداية القرن العشرين أو قبل ذلك بقليل فقد وردت بعض العبارات في كتابات جمال الدين الأفغاني (تحتفل به إيران هذه الأيام) تشير إلى تأثير أبناء الأمة الذين يقلدون الغرب. كما لابد من ذكر ردود الشيخ محمد عبده على رينان وهناتو وغيرهما من الفلاسفة الفرنسيين. وبعد ذلك عندما برزت الحركات الإسلامية الداعية إلى إخراج المستعمر من العالم الإسلامي نجد انه كان من بين اهتمامات هذه الحركات الرد على المستشرقين وعلى الإعلام الغربي في تعرضه للإسلام. ففي الجزائر مثلاً كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في صحفها المختلفة وكذلك مجلة"الشهاب"التي أصدرها الشيخ عبد الحميد بن باديس تهتم بالرد على الاستشراق. ويمكننا أن نجد ردوداً على الاستشراق في صحف الإخوان المسلمين في مصر ، وبعد ذلك في مجلة (الرسالة) المصرية وغيرها من المجلات . ولا بد من الإشارة إلى كتاب الدكتور مصطفي السباعي رحمه الله (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) فهو من الكتب الرائعة في تفنيد كلام المستشرقين، وكذلك كتابه (المرأة بين الفقه والقانون) . كما كان رحمه الله رائداً في القيام بجولات ميدانية لمعاقل الاستشراق والحوار مع المستشرقين.
ومن العرب المسلمين الذين كتبوا باللغة الإنجليزية الدكتور عبد اللطيف الطيباوي الذي نشر مقالتين في مجلة"دراسات إسلامية"التي يصدرها المركز الثقافي الإسلامي بعنوان (نقد المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية) وقام الدكتور قاسم السامرائي بترجمتهما ونشرهما في كتاب عن إدارة النشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ولا بد أن نذكر أن كتابات سيد قطب رحمه الله فيها ردود على الاستشراق، وكذلك كتب الأستاذ محمد قطب ومنها كتابه (شبهات حول الإسلام) و (المذاهب الفكرية المعاصرة) وكتابه (واقعنا المعاصر) وغيرها. وأضيف هنا كتابات الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله ومنها كتابه (حصوننا مهددة من داخلها) وكتابه (الإسلام والحضارة الغربية) بالإضافة إلى كتابه المهم (الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي الحديث) ولم يكتف الدكتور حسين بنقد الاستشراق بل تناول من تأثر بهم من أبناء المسلمين. ومن الذين تناولوا الاستشراق بالنقد الأستاذ محمود شاكر (أبو فهر) في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) وهو مقدمة لكتابه عن المتنبي. ولا يمكن أن ننسى الأستاذ الكبير أنور الجندي -رحمه الله تعالى- فله كتابات كثيرة جداً حول نقد الاستشراق وان كان ينقصها التوثيق العلمي الدقيق، لكنها مهمة في تنوير عامة القراء من مخاطر الاستشراق والتنصير فله جهود كبيرة ورائدة في هذا المجال. وأختم بذكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فقد كتب الكثير عن مطاعن المستشرقين.
كما كانت هناك أعمال غربية ناقدة للاستشراق ومطالبة لتغيير وجهة الاستشراق وتصحيح صورته عند المسلمين . ومن أهم هذه الكتب: الكتاب الذي حرره ليونارد بايندر Leona r d Binde r بعنوان:"دراسة الإسلام"الصادر عام 1976م، واشترك فيه عدد من كبار المستشرقين تناول كل منهم مجالاً من الدراسات الاستشراقية ونقده نقداً علمياً وطالبت الدراسة بمراجعة العمل الاستشراقي وتصحيح أخطاء منهجه ونقد الاتجاه التنصيري في دراسة الإسلام، وتقديم مقترحات علمية تخص تصحيح مسيرة الاستشراق.