والكلمة تشير -أيضاً- إلى وظيفة يقوم صاحبها بتوفير المعلومات الحديثة اللازمة للدوائر السياسية والاقتصادية في بلد أوروبي له اهتماماته ومصالحه السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي وبقية بلاد الشرق. وهذا الخبير ليس لديه دراسة علمية بمجالات الاستشراق التقليدية، وتنقصه الخلفية العلمية في موضوعات الاستشراق التقليدية -إلاّ في حدود ما يحتاج إلى تفسيره من ظواهر حديثة أو أمور واقعة بربطه بشي من الماضي لشعوب الشرق. والمعلومات التي يقدمها للدوائر السياسية والاقتصادية معلومات حية بعيدة عن التوجه الاستشراقي أو الرؤية المذهبة الاستشراقية، فخدماته لا تنتمي إلى علوم الاستشراق، ولكنها خدمات في شكل تحليلات سياسية ودينية -أحياناً- تستفيد منها الدوائر المعنية.
2-ظهور مراكز الدراسات الإقليمية:
وقد نتج عن هذا غياب مراكز الاستشراق التقليدية، وظهور ما يسمى بمراكز بحوث الشرق الأوسط، أو مراكز بحوث ذات طابع إقليمي تهتم بمتابعة الشؤون السياسية والاقتصادية لبلد من بلدان الشرق أو لإقليم منه. فهناك مراكز لبحوث الشرق الأوسط، ومراكز لبحوث الشرق الأقصى، ومراكز مرتبطة ببلد معين مثل: مركز البحوث الإيرانية، أو مركز البحوث اليابانية أو التركية أو الصينية أو معهد الدراسات اليمنية، فهي مراكز متخصصة في بلد واحد، واضطر الغرب إلى غلق معظم المراكز التقليدية. واستبدالها بالمراكز الإقليمية أو القطرية. ووظيفة المركز ككل هي تقديم الخبرات في مجالات السياسة والاقتصاد للدوائر التي تحتاجها مثل وزارات الخارجية والاقتصاد والمنظمات الإقليمية، أو الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة، ومنظمة اليونسكو وغيرها. ( [8] )
ويلاحظ متابعة هذه المراكز وخبرائها للأحداث الجارية، ولذلك تتم الاستعانة بهم في التلفزيون والإذاعة والصحافة، فضلاً عن الدوائر الحكومية في تفسير الوقائع التي تحدث في كل بلد، وتوقعات الخبير بالنسبة لمستقبل الحدث سياسياً أو دينياً.
ويلاحظ أيضاً فقدان مراكز هذه البحوث استقلالها، وذلك بسبب ارتباطها المباشر وتمويل مشروعاتها من قبل جهات حكومية معينة أو شركات اقتصادية كبرى لها مصالح اقتصادية في الشرق.
وعلى الرغم من الارتباط القديم بين الاستشراق والتنصير والاستعمار، فهذا الارتباط كان مرتبطاً بالمصالح الاستعمارية والتنصيرية في بعض الفترات، وهو ارتباط لم يلغ شخصية المستشرق، ولم يقض على توجهه العلمي الخاص به. أما الخبير الحال والمركز الذي يتبعه فهو لا يتمتع بالاستقلالية، ولكنه رغم انحسار الاستعمار يرتبط ارتباطاً مباشراً بالدولة صاحبة المصلحة السياسية والاقتصادية أو الشركة صاحبة المصلحة الأخيرة. ويشبه الخبير هنا بجامع المعلومات ذات الطابع الحديث عن بلد شرقي معين، ليست له (الخبير) أهداف علمية، ولا يسعى إلى تحقيق معرفة ذاتية، أو تحصيل فكر ثابت ولكنه جمع المعلومات ويحللها ويقدمها للجهة الرسمية التي تطلبها.
وتعود نشأة الدراسات الإقليمية وتطورها الكبير في الفترة الحالية إلى توجه استشراقي أمريكي للتركيز على دراسة الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية لبلد واحد أو مجموعة بلدان داخل إقليم واحد، ولذلك أطلق عليها اسم"الدراسات القطرية"إذا درست قطراً و"الدراسات الإقليمية"إذا درست إقليماً كاملاً. وهو توجه أمريكي لان أمريكا ليس لها تراث استشراقي تقليدي كبير، كما أنها-لأسباب داخلية- لم تهتم بالعامل الخارجي إلاّ بعد الحرب العالمية الأولى حيث بدأ الاهتمام بالعالم. وقد اكتشف الأمريكان النقض الشديد في الكوادر العلمية المتخصصة في تاريخ شعوب الشرق وحضاراتها وجغرافيتها وآدابها ولغاتها وأديانها. صحيح أن بعض الجامعات الأمريكية قد استعانت ببعض المستشرقين المهاجرين إلى أمريكا ضمن حركة الهجرة الأوروبية العامة إلى ما يسمى بالعالم الجديد، وحصل هؤلاء على وظائف تعليمية في الجامعات الأمريكية ، ولكن لقلتهم ونقص تنظيمهم واتساع أمريكا لم يتمكنوا من تكوين ما يمكن تسميته ب"الاستشراق الأمريكي التقليدي"ولذا يمكن وصف الاستشراق الأمريكي بأنه"استشراق معاصر".
3-ضعف التكوين العلمي والأيدلوجي للمستشرق المعاصر.
نشأة المستشرق التقليدي في ظل مذاهب دينية وفكرية قوية مسيطرة على الفكر الغربيمن أهمها:أ- المدرسة اليهودية في الاستشراق ب- المدرسة النصرانية بصفتهما مدرستين دينيتين قويتين ، وأيضاً في ظل عدد من الأيدولوجيات القوية منها العلمانية ، والشيويعية.
وكل مستشرق تقليدي انتمى إلى واحدة من هذه المدارس والمذاهب يحقق لها أهدافها ويعمل من خلال منهجها، وقد تنوعت المدارس الاستشراقية بسبب تنوع المذاهب الفكرية الغربية -رغم الاتفاق في بعض المظاهر- إلاّ أن كل مدرسة تتميز عن الأخرى من خلال الأيديولوجية التي تمثلها.
وبدأ هذا الوضع الاستشراقي القديم في التغير في القرن العشرين ،وبدأ الضعف الأيدولوجي يدب في الاستشراق لأسباب مرتبطة بالفكر الغربي في هذا القرن ، فالمستشرق ابن بيئته الفكرية ويتأثر بما يطرأ عليها من متغيرات مختلفة ومن أهمها: