فهرس الكتاب

الصفحة 10414 من 27364

وقد لاحظ دونالد ليتل Donald Little بحق عام 1979م أن"ثمة كمية كبيرة من الكتابات حول الاستشراق والمستشرقين كتبت باللغة العربية واللغات الإسلامية الأخرى أعدت خصيصاً للاستهلاك المحلي." ( [4] ) ولكن ما عدّه ليتل كميّة كبيرة قد أصبح ضخماً جداً بعد ثلاث عشرة سنة من ظهور مقالته، وللدقة نقول بأن هذه الكتابات ليست معدة فقط -كما يقول- للاستهلاك المحلي، ذلك أن معظمها قد كتب أو ترجم إلى إحدى اللغات الغربية.

ولإعطاء فكرة حول أهمية موضوع الاستشراق والمستشرقين في الساحة السعودية المعاصرة فمن الكافي أن نذكر أنه وفقا للمادة الببليوغرافية التي بين يدي فقد صدر أكثر من مئتي كتاب ، وليس أقل من ألفي مقالة في السنوات الأخيرةإما بأقلام سعودية أو عرب آخرين يعملون في السعودية. وحتى إن بعض الدوريات المهمة قد خصصت أعداداً خاصة لهذا الموضوع مثل"عالم الكتب"و"الفيصل"و"المنهل"ضمت مقالات مؤيدة أو معارضة للاستشراق. ( [5] ) وقد أصدر مكتب التربية لدول الخليج العربي كتاباً من جزأين ضم مجموعة بحوث حول"مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية. ( [6] ) وقد أسهم في هذا العمل عشرون متخصصاً تقريباً من جامعات ومؤسسات عليمة مختلفة في العالم العربي بتقديم بحوثهم حول النتائج التي تم التوصل إليها خلال القرنين الأخيرين من الاستشراق."

وبالإضافة إلى ما سبق فإن معظم الجامعات السعودية السبع تنظم سلسة من المحاضرات من حين لآخر يدعى إليها علماء من هيئة التدريس من هذه الجامعات أو من الخارج ( بما في ذلك أوربيين) وبالطبع فمن موضوعات هذه المحاضرات الاستشراق والمستشرقون. وتسجل هذه المحاضرات عادة - على أشرطة كاسيت، وإما أن توزع مجاناً أو تباع لدى المحلات المتخصصة في بيع أشرطة الكاسيت ، وتوزع هذه التسجيلات على نطاق واسع. والنقطة التي يجب التأكيد عليها هنا أن كلاً من المثقف والعامي ينجذب بسرعة لدرجة أن عنوان مقالة أو عنوان كتاب يحتوي على مصطلح استشراق أو مستشرقين فإنه يثير حب المعرفة لدى القراء، وذلك ببساطة لأن هذه المصطلحات مرتبطة عادة بسوء تمثيل الإسلام وتشويهه حتى للعداء أو التعصب والتحيز ضده. ومع ذلك فإن تحليل كل العوامل التي ساعدت على إيجاد هذا التصور أو تطويره تقع خارج نطاق البحث. وقد ناقش باحث من السعودية هذا الأمر بقوله:"إن (أزمة) المستشرقين (الفكرية) و (الأخلاقية والمشكلات الناتجة عنهما قد أساء إليهم أيما إساءة ،فيكاد ) تشويه) الحقيقة الفكرية دينية أو تاريخية أو لغوية أو عملية يصبح ظاهرة عامة في العمل الاستشراقي المبطن والسافر، المباشر وغير المباشر. والنتيجة بسيطة وواضحة شعور عميق بالنفور مما يخلق موقفاً متسماً بالشك إن لم يكن العداء السافر لأعمال المستشرقين، ونتيجة لذلك فإن ظاهرة الاستشراق كمجال علمي من السهل الشك فيها كما أن مكانة المستشرق تصبح موضع تساؤل." ( [7] )

ويشرح أحمد عبد الحميد غراب (خريج جامعة أكسفورد) في كتابه (رؤية إسلامية للاستشراق) مصطلح استشراق كما يأتي:"إن الاستشراق دراسات"أكاديمية"يقوم بها غربيون كافرون من أهل الكتاب بوجه خاص -للإسلام والمسلمين عن شتى الجوانب: عقيدة وشريعة وثقافة وحضارة وتاريخاً ونظماً، وثروات وإمكانيات… بهدف تشويه الإسلام ومحاولة تشكيك المسلمين فيه، وتضليلهم عنه، وفرض التبعية للغرب عليهم ،ومحاولة تبرير هذه التبعية بدراسات ونظريات تدّعي العلمية والموضوعية، وتزعم التفوق العنصري والثقافي للغرب المسيحي على الشرق الإسلامي." ( [8] )

إن الاهتمام الأساسي لدى المؤلف الذي يشترك فيه مع غيره من الكتاب السعوديين لا يكمن في الإنتاج الأكاديمي للمستشرقين ولكن في دورهم الحاسم في التأثير وتوجيه الموقف السياسي في دولهم. وهنا يتهم المؤلف المستشرقين بخيانة مبدأ الأخلاق الأكاديمية الذي يتطلب الحياد على الأقل. فالعالم الأمين يجب أن لا يسمح لتعصباته أن تكون عقبة في الطريقة التي يقدم بها الحقائق والمعرفة والاستنتاجات. ( [9] )

ويبدي جميل المصري من جامعة أم القرى في مكة عدم رضاه عن الطريقة التي درس بها المستشرقون وحللوا التاريخ الإسلامي لأنهم- المستشرقون- في نظره يميلون إلى النظر إلى التاريخ الإسلامي من خلفية ثقافية غربية، ووفقاً لمناهج البحث عندهم ومعاييره التي لا تصلح للتطبيق إلاّ على ثقافتهم، وبدلاً من ذلك فهم يلجأون إلى الاقتراحات والتخمينات التي بتكرارها يؤكدون الحقائق المقررة ويطلقون عليها نظريات علمية"وينصبون أنفسهم للحكم على التاريخ الإسلامي." ( [10] ) ويقتبس المؤلف عبارة رودي بارت لتأييد موقفه،وهذه العبارة:"ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه وعلى المؤلفات العربية التي نشتغل بها المعيار النقدي الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن." ( [11] ) ولسوء الحظ يظهر أن المؤلف لم يفهم المعنى العميق لعبارة بارت التي أراد أن يؤكد بوضوح صدقية المعايير النقدية غير الملتزمة بأي ميول ثقافية أو دينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت