وفقاً لبعض المؤلفين السعوديين فإن المناهج المطبقة من قبل المستشرقين أدت إلى تشويه التاريخ الإسلامي، وكانت هذه التشوهات هي الفكرة الرئيسية في كتاب نال انتشاراً واسعاً وكتبت حوله عدة عروض وهو كتاب عبد الكريم باز الذي طبع عام 1403هـ/1983م بعنوان (افتراءات فيليب حتّي وكارل بروكلمان على التاريخ الإسلامي) ( [12] ) وقد حاول المؤلف في كتابه أن يوضح كيف أن المستشرقين غير المؤهلين في علم التاريخ يرتكبون أخطاء فادحة في تفسيراتهم للأحداث التاريخية، وينتقدهم بقسوة لتبنيهم بدون تفكير التشويهات نفسها، ومما يدعو للدهشة أن الإيجابية الوحيدة التي يراها الباز في الاستشراق تعليمه الممتاز للمنهجية ولا يعرف المؤلف سوى عدداً ضئيلاً من المستشرقين الذين قدموا إسهامات إيجابية في دراسة الحضارات القديمة وفي الفهرسة وتحقيق النصوص وتستحق الثناء. ( [13] )
ويطرح باحث آخر من السعودية السؤال الآتي:"ما الباعث لكل هذا؟"وبدون التفكير بمعنى أو صفات الاستشراق ينقل الباحث بدون أو بوعي الرأي الذي قال به المؤلف المصري النصراني بأن"البواعث التجارية السياسية قادت المستشرقين بدراسة الإسلام والشعوب الإسلامية من أجل إخضاعهم للسيطرة الإمبريالية ويواصل المؤلف قوله"إنه الباعث الاستعماري المدروس دراسة دقيقة، فهم يقدمون لنا تراثنا محققاً مطبوعاً لقصور باعنا، وبذلك يبسطون نفوذهم الفكري علينا." ( [14] ) "
وهذا هو الموضوع الذي تناوله العديد من الكتاب في عدد من الكتب والمقالات. ففي مقالة نشرت في مجلة"الفيصل"عام 1989م كتب محمد سعيد الفخرو متبنياً موقفاً دفاعياً مشيراً إلى عدد كبير من التشويهات من قبل مستشرقين مثل بروكلمان وكاتياني وجولدزيهر وفلهاوزن وميور وآخرين." ( [15] ) "
وقد نشر أستاذ سعودي بارز في مجال المخطوطات هو الدكتور عباس صالح طاشكندي مقالة بعنوان"المستشرقون ودورهم في تحقيق النصوص العربية." ( [16] ) كرر فيها عيوب الاستشراق الذي ذكرها إدوارد سعيد في كتابه"الاستشراق"وربطها بالنقاش التبريري الذي قدّمه نجيب العقيقي في مجلداته الثلاث حول المستشرقين من الاتهامات في محاولة منه لتبرئة المستشرقين من الاتهامات غير المسنودة بالدليل. وبالإضافة إلى ذلك فإن الطاشكندي -المتدرب في مجال الببليوغرافيا- عدّد الفهارس التي يعرف للمخطوطات العربية التي أعدها المستشرقون ونشروها في ألمانيا ، والمملكة المتحدة، والنمسا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وهولندا، والدول الإسكندنافية، وروسيا، والولايات المتحدة. وبالرغم من جهد الكاتب لتزيين الأفكار الشائعة حول الاستشراق وبالرغم من إعجابه العميق بعمل المستشرقين في مجالات فهرسة النصوص العربية وتحقيقها -والتي لو تناولناها في المجال الببيلوغرافي - فإن الطاشكندي يراها قد أنجزت لفائدة المستشرقين. ويستنتج الطاشكندي في نهاية مقالته الأفكار التي نقابلها عادة في عدة مطبوعات وحتى عكسها بأن أكثر الجهود الإيجابية للمستشرقين في عملهم النقدي لتحقيق ونشر المخطوطات العربية كانت من أكثر الخدمات المفيدة التي قدموها للدراسات العربية والإسلامية. وهذه الجهود الإيجابية ساهمت في الوقت نفسه في زيادة معرفتهم بتراثنا. وهذا يعني أن المعرفة التي حققوها من خلال دراسة الجوانب الفكرية والثقافية ونقدها المبنية على اختيارهم للمواد المتوفرة جعلت الاستشراق يقدم خدمة عظيمة في تحقيق أهداف الاستشراق الدينية والعسكرية وكذلك السياسية والأيديولوجية. ( [17] )
ومن الواضح أن الطاشكندي وغيره من المؤلفين الذين ذكرنا لم يستطيعوا أن يخفوا إعجابهم المقنع بالمستشرقين في مجال أو آخر. ولا نستطيع مقاومة فكرة أن النقد الذي وجّه للاستشراق قد أسهم في نهاية المطاف في إشاعة كتابات المستشرقين. وقد أشار ناشر سعودي ووزير سابق بارز لهذا الشيوع في تقديمه لكتابي حول الاستشراق بهذه الطريقة:"إن العملية الاستشراقية عملية معقدة جداً…انعكست آثارها على السياسة والاجتماع والحركة الفكرية بل على الحياة العربية الإسلامية كافة….واختلفت فيها الآراء وتباينت حتى لقد اختلط الحق بالباطل …وكان من نتاج ذلك كله بلبلة فكرية واجتماعية لا تزال الأمة تعاني من آثارها.." ( [18] )
وكتابي هذا الذي طبع في الرياض عام 1403هـ/1983م جذب انتباه اثنين من المستشرقين الأوروبيين ودون أن يربطا ما كتبته بالنقاش المعاصر للاستشراق في العالم العربي بعامة وفي السعودية بخاصة فقد وصف أحدهما وهو بروجمان بأنه:"واحد من أكثر الدراسات عداوة سطّره قلم كاتب عربي." ( [19] ) وبالإضافة إلى ذلك فإن ما كتبه الزميل السابق كان مركزاً على ملاحظاتي النقدية للاستشراق فقط، ولكنه فشل في ملاحظة نقدي للدراسات العربية والإسلامية في الكتاب. وثمة تناول أكثر حيدة لما كتبته في رسالة دكتوراه قدمت لجامعة بون عام 1990م أعدها رودلف بالرغم من أنه فشل في فهم مكانة الاستشراق ضمن النقاش المعاصر في العالم العربي. ( [20] )