فهرس الكتاب
ويتضح حرص الحكومة الأمريكية على هذه المعرفة من خلال أمور كثيرة منها أن الحكومة الفدرالية تقوم بتقديم الدعم لعدد من مراكز دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الخاصة والجامعات الحكومية.كما أن أساتذة الجامعات والمتخصصين في الدراسات الإسلامية العربية تتم دعوتهم لتقديم شهاداتهم إلى لجان الكونجرس الأمريكي وحتى المخابرات المركزية الأمريكية . وقد عقدت عام 1985 ثلاث جلسات استماع قدم عدد كبير من المتخصصين شهاداتهم وبحوثهم حتى وصلت إلى اثنتين وأربعين صفحة وكانت هذه الجلسات مخصصة لموضوع الأصولية في العالم الإسلامي. ( [6] ) وقد عقدت جلسات أخرى فيما بعد. كما أن المؤتمرات التي تعقد هنا وهناك بالإضافة إلى مشروع جامعة شيكاغو حول"الأصولية"في أديان العالم وبخاصة الإسلام واليهودية والنصرانية الذي حشدت له الجامعة عشرات العلماء للبحث فيه لابد أن يطلع على نتائجه مسؤولو الحكومة الأمريكية .
وبالإضافة إلى هذه المصادر من المعلومات فهناك مندوبي مكتبة الكونجرس في أنحاء العالم العربي الإسلامي الذين يلتقطون كل جديد من كتب ومنشورات وقصاصات صحفية يتم تزويد المسؤولين بها في الحكومة الأمريكية .
ويسعى الأمريكيون للحصول على المعلومات عن طريق الطلاب العرب المسلمين في الجامعات الأمريكية، وبخاصة الذين يعدون رسائل الماجستير والدكتوراه في العلوم الإنسانية والاجتماعية وغيرها. وقد أشار أحمد عبد الحميد غراب إلى هذه المسألة وأكد على أن بعض الرسائل العلمية تشبه المعلومات الاستخباراتية وبخاصة تلك التي تتعلق بالحركات الإسلامية، حيث يكون الطالب المسلم أكثر قدرة على تحصيل المعلومات من الباحثين الأجانب، بالإضافة إلى أن الطالب الذي يعد رسالة جامعية بعيد عن الشكوك ( [7] ) . وقد أشار إدوارد سعيد إلى هذا الأمر حيث التقى بعض الطلاب اللبنانيين الذين يعدون رسائلهم الجامعية حول لبنان ، فقال لهم بأن يكتبوا عن لبنان حين يكونون في لبنان أما في أمريكا فإن عليهم الكتابة عن أمريكا:"لماذا لا تكتبون عن أمريكا؟ لستم هنا لكي تكتبوا عن أنفسكم...هنا يتوجب عليكم أن تشاركوا في الجدالات الدائرة حول أمريكا في أمريكا." ( [8] )
وهناك وسيلة أخرى في الحصول على المعرفة وهي عن طريق الأساتذة العرب المسلمين الذين تستقطبهم الجامعات الأمريكية؛ حيث يقوم هؤلاء الأساتذة بالمشاركة في المؤتمرات والندوات، ويقومون بالتدريس الجامعي ويُعَدّون مصدراً مهماً للحصول على المعلومات عن العالم الإسلامي العربي. وقد كتب إدوارد سعيد عن ذلك بقوله:"العديد من المثقفين العرب يأتون إلى أمريكا لكي يدرِّسوا أو يكتبوا عن الشرق الأوسط، و مثّل لذلك بصادق جلال العظم"الذي يفتَرض أنه"ناقد"كبير قضى ثلاث سنوات وجُل ما فعله هو تدريس الشرق الأوسط إلى صغار أمريكا، ذلك نوع من النرجسية التي تدعو إلى الأسى عند قسم من المثقفين العرب"ويضيف بأنهم"أسرى حالة من ال"غيتو"لأنهم يكتبون عن العالم العربي بالفرنسية في فرنسا وبالإنجليزية في أمريكا وبريطانيا وينظر إليهم كمخبرين محليين." ( [9] ) "
ومن الملاحظ أن الأساتذة الذين تقدم لهم الفرصة للعمل في الجامعات الأمريكية هم في الغالب من أصحاب الاتجاهات العلمانية أو المتغربين، وهؤلاء بطبيعتهم يعيشون حالة من الانبهار بالغرب، ولطبيعة حقدهم على الاتجاهات الإسلامية فإنهم يتبرعون بالمعلومات التي تطلب منهم وحتى التي لا تطلب منهم. ولاحظت أيضاً أن الذين يدرسون في المدارس الخاصة مثل المدارس الفرنسية (الليسيه) ، أو كلية فيكتوريا (بريطانية) ، أو الكلية العامة (أمريكية) يواصلون دراساتهم العليا في الغرب، ويحصل بعضهم على الفرص للتدريس والعمل في الجامعات الأمريكية. (10 )
وقد تأكد لي هذا الاتجاه في أكثر من حالة فحين كنت أحضر ندوة بجامعة نيويورك بعنوان"الرقابة الإعلامية والمصالح القومية. كان أحد المتحدثين هو محمد دلبح الذي قرأ بحثاً من عشر صفحات أو أكثر حشد فيها معلومات كثيرة عن الرقابة الإعلامية في دول الخليج العربي، وما كان للحضور معرفة هذه المعلومات لو لم يقدمها لهم هذا المشارك، بالإضافة إلى الروح الهجومية على هذه البلاد العربية وكأنها بلاد أعداء. وبالرغم من أن مشاركتي قد قدمت بعض المعلومات عن الرقابة الإعلامية، لكنها في الوقت نفسه تناولت الشكوى من الهيمنة الفكرية الغربية من خلال البث المباشر الذي يسيطر عليه إنتاج هوليوود، وقد أشرت إلى مناشدة الرئيس الأمريكي لأربعمئة من شخصيات عالم السينما بأن يخففوا من جرعات الجنس والجريمة في الأفلام. كما أشرت إلى كتاب مايكال ميدفيد أمريكا وهوليوود Ame r ica VS Hollywoodالذي يعد أعنف هجوم تعرضت له هوليوود، وقد أغضب أرباب صناعة السينما في أمريكا، وقد وجدت صعوبة في الحصول عليه."
ومن وسائل تحقيق المعرفة بالعالم العربي الإسلامي التي تبذل الجامعات الأمريكية ومراكز البحوث ومعاهد الدراسات جهوداً كبيرة جداً في سبيلها ما سأذكره عن بعض الجامعات فيما يأتي:
جامعة نيويورك