ومن العجيب أنه لم يتصدى لها أحد في هذه النقطة، فقد كان من الواجب أن يوضح لها وللحضور بأن العلماء المسلمين بذلوا من الجهود في فحص الأحاديث النبوية ما لم تعرفه أمة من الأمم حتى توصلوا إلى تصنيف الأحاديث إلى الصحيح والحسن والضعيف، وحتى في الحسن والضعيف ثمة تصنيفات أخرى توضح دقة هذا العلم والمنهجية الصارمة التي استخدموها في الذب عن حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم . وكان على هذه المرأة أن تدرك أن صحيح البخاري قد خضع لدراسات عميقة جداً، وأن الأمة الإسلامية قد تلقت عمل الإمام البخاري ليس بالقبول فحسب بل بالإشادة والتقدير والثناء. أما كونها امرأة وغير عربية فكم من النساء المسلمات اللاتي نبغن في علوم الحديث قديماً وحديثاً ولتنظر عدد من روى الحديث من النساء، أما كونها غير عربية فهل كان البخاري أو مسلم أو الترمذي أو ابن ماجة عرباً وهل كان سيبويه وغيره من العرب؟
تناولت في الأسطر السابقة مسألة اهتمام الغرب باستشراف مستقبل العالم الإسلامي، وتحدثت عن الجلسة الافتتاحية وما قدّم فيها من خطب وكلمات وكذلك المحاضرة الافتتاحية.وسوف أتناول فيما يأتي عدداً من البحوث التي ألقيت في المؤتمر.
كان من الصعب حضور كل المحاضرات، لأن الجلسات كانت تعقد متزامنة لذلك من الصعب الخروج برأي أو حكم على مجمل المؤتمر دون الاطلاع على أكبر عدد من المحاضرات وهو ما يتطلب وقتاً وجهداً. ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جلّه.
ففي محور الإسلام و التنمية قدّم نصر حامد أبو زيد- الأستاذ الزائر بجامعة لايدن- بحثاً بعنوان"الإسلام والتحديث"تناول فيه تعريف التحديث بأنه إجراء لإنشاء نظام سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي ليحل محل نظام أصبح جامداً، وأن لكل مجتمع حداثته أو تحديثه الخاص به.-وهنا مكمن الخطورة فالنظام الإسلامي لا يمكن أن يصبح جامداً في أي وقت- أما عن تحديث الإسلام في بدايته فذكر أنه جاء لتحديث المجتمع الجاهلي، وان الجاهلية ليست مقابل العلم ولكنها سلوك اجتماعي وتوجه عقدي يخالف الإسلام. وركز كثيراً على الفروق بين المجتمع الإسلامي القائم على قيم تخالف قيم العصبية القبلية. وذكر في محاضرته الفرق الإسلامية مثل الشيعة والخوارج والمعتزلة، و أشاد بالمعتزلة كما يفعل كثير من المستشرقين بأنهم الحزب الليبرالي أو أصحاب التفكير الحر وزعم أن الاعتزال بدأ حركة سياسية تهدف إلى محاربة الدولة الأموية.
وطلبت التعليق فقلت بأن تحديث الإسلام لم يكن في يوم من الأيام خاصاً بالمجتمع القبلي الجاهلي في جزيرة العرب، بل هو تحديث وإصلاح لما كان العالم أجمع يعاني منه من انحرافات عقدية وسياسية واقتصادية واجتماعية. وذكرت له أن رسالة الإسلام هي للعالم أجمع. وأوضحت بأن القرآن الكريم اهتم ببيان انحرافات بني إسرائيل العقدية، والاجتماعية، والسياسية، فمن ذلك قتلهم الأنبياء وقولهم على الله غير الحق وأكل الربا وغير ذلك. وأضفت بان القرآن ذكر الانحرافات الاقتصادية لقوم شعيب والانحرافات العقدية والسياسية لفرعون.
ومجمل القول حول محاضرة أبو زيد أنها لم تكن بالقوة من الناحية العلمية التي تبرر لجامعة لايدن استضافته وهذا ما ذكره لي أخ جزائري بأنه لم يجد في هذه المحاضرة فائدة كبيرة. ولكن لعل أبو زيد يخاطب الغربيين فيروا بأن كل ما يقوله جديداً بالنسبة لهم.
ومن المحاضرات التي ألقيت في هذا المؤتمر محاضرة بعنوان"فشل البديل الليبرالي"للباحث الهولندي من جامعة لايدن جوهانز جانسن، تناول فيها قضية واحدة وهي لماذا فشل الليبراليون في أن يحركوا الجماهير للقبول بمشروعهم بالرغم من أن كتبهم تجد رواجاً وتطبع المرة تلو المرة. وتحدث عن كتاب فؤاد غلام (الإخوان وأنا من المنشية إلى المنصة)
وتناول المحاضر كتابات من سمّاهم بالنخبة من أمثال مصطفى أمين، ونوال السعداوي، وفؤاد زكريا، وسعد الدين إبراهيم، ومحمد سعيد العشماوي وغيرهم، وأن هذه الكتابات لم تستطع أن توجد تياراً يستطيع منافسة المشروع الإسلامي أو يقاوم الحركات الإسلامية التي يسمونها بالأصولية الإسلامية أو الإسلام السياسي.
ولم تصل المحاضرة إلى وضع النقاط على الحروف بالنسبة لفشل المشروع الليبرالي. وقد ردّ أحد الحضور وهو الأستاذ عبد العزيز شادي -الذي كان يحضر للدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة لايدن {حصل على الدكتوراه الآن} بأن معلومات المحاضر غير دقيقة، فكتب هؤلاء ليس لها رواج الكتب الإسلامية، وهي غالباً باهظة الثمن وأسلوبها يتسم بالغموض بينما الكتب الإسلامية واضحة الأسلوب رخيصة الأثمان لأن مؤلفيها أصحاب دعوة لا يريدون الكسب المادي.