وأتيحت لي الفرصة للتعليق فبدأت بإبداء إعجابي بعنوان المحاضرة، وذكرت أن العنوان (فشل المشروع الليبرالي) يتضمن حكماً عليهم، وهو حكم صحيح، وأنا أؤيده -وإن كان هذا عكس ما قصده المحاضر-. ثم قلت له:"لقد ذكرت مجموعة من الأسماء:مصطفى أمين، وفؤاد زكريا، وسعد الدين إبراهيم وغيرهم بأنهم النخبة ولكن هذه ليست نخبة حقيقية، بل نخبة زائفة Supe r ficial eliteلأنها مصنوعة في الخارج؛ بمعنى أن ثقافتها غربية وتوجهاتها علمانية غربية. ثم هناك مجموعات شبيهة بها في معظم البلاد العربية الإسلامية درست في المعاهد الأجنبية أو تلقت تعليمها في الخارج وتأثرت بالفكر الغربي. وأضفت بأن علينا أن نحدد معاني المصطلحات التي نستخدمها."
وحتى لا آخذ أكثر من الوقت المحدد للتعليق فقد توقفت، ولو أتيحت لي الفرصة لقلت له بأن النخبة أو الصفوة هم علماء الأمة العاملون، أو العلماء الربانيون كما يسميهم القرآن الكريم. أو النخبة هي أصحاب الأيادي المتوضئة والوجوه الوضيئة التي يشع منها نور الإيمان. ولقد كانت النخبة في مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسو صلى الله عليه وسلم هي كبار الصحابة وأصحاب السابقة في الإسلام. بل يرى البعض أن النخبة هي أهل بدر من المهاجرين والأنصار، أو هم أصحاب بيعة الرضوان. فهذه هي المعايير الإسلامية في تحديد النخبة. والنخبة في المجتمع الإسلامي هي التي تبذل في سبيل رفعة مجتمعها وتقدمه لا تتسلط عليه فكرياً وتتعالى عليه كما هو الحال فيمن يطلق عليهم الغربيون النخبة. وقد ذكر الباحث الغربي أن هؤلاء يعيشون في بروج عاجية لا يعرفون حقاً معاناة شعوبهم. فكيف بالله يستحقون لقب النخبة؟ ولكن تعالي بعض الغربيين جعله يصر على استخدام مصطلح النخبة لوصف من وصف وأضاف بأنه إذا لم يكن مصطفى أمين من النخبة فمن النخبة!! فهذا التعالي والعنجهية جعلاه لا يقبل بالرأي الآخر.
تخيل معي أخي الكريم أن مؤتمراً عالمياً بعنوان (الحضارة الغربية والقرن الواحد والعشرين) يعقد الآن في دولة إسلامية، وقد دعي إليه العديد من العلماء والمفكرين الغربيين ليقدموا لنا خلاصة علمهم وخبرتهم وتجاربهم فيما ستؤول إليه حضارة الغرب في القرن القادم، وربما كانت محاور المؤتمر: الإنسان في الحضارة الغربية، البيئة في الحضارة الغربية، الدين في الغرب...الخ.
ولكن لندع هذا الخيال الآن ونعود إلى الواقع لنتناول بعض الجوانب من مؤتمر هولندا الذي نحن بصدده، فقد تقدمت إلى المؤتمر بموضوع حول شخصية إسلامية متميزة لها دورها الرائد في مجال التنمية، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت وكنت أعلم أنني سأمثل بلادي في هذا المؤتمر لاخترت موضوعاً يخص المملكة فإن تجربتها الرائدة في مجال التنمية تستحق أن تكون مجالاً لعدة أوراق تقدم لهذا المؤتمر. فنحن وبحمد الله خطونا خطوات كبيرة في مجال التنمية مع محافظة على القيم الإسلامية في شتى المجالات. فهذه مدارسنا وجامعاتنا لا تعرف الاختلاط الذي تفشى في العالم أجمع، وبدأ العالم يعاني من ويلاته منذ أمد بعيد. وما زال إعلامنا يقاوم التنافس مع القنوات الفضائية بالمحافظة على القيم الإسلامية في برامجه.
ولكن مادام هذا المؤتمر سيعقد مرة أخرى فإن الفرصة ما تزال مواتية لتمثيل المملكة في محاوره المختلفة فقد لاحظت تمثيلاً كبيراً لجمهورية مصر العربية واندونيسيا (أحد المنظمَين للمؤتمر) وهولندا .وبالإمكان الاتصال بوزارة الشؤون الدينية الاندونيسية لمعرفة موعد انعقاد المؤتمر القادم ومحاوره المختلفة.
وعقد المؤتمر التالي أو الثاني في مصر ولم يكن الإعلان عنه للجميع، وكان الحضور شبه رسمي حيث شاركت بعض الجهات الحكومية في المملكة بأشخاص لهم حضوة في حضور المؤتمرات والندوات.
وأعود إلى البحث الذي تقدمت به حول نظرات ابن باديس للتنمية، فقد حضرت اجتماعاً قبل أكثر من عام عقد في جدة حضره بعض المثقفين من المملكة وكان ضيف الاجتماع باحثاً أمريكيا متخصصاً في العلوم السياسية وهو جوزيف كيششيان، وبدأ الاجتماع بأن تحدث عن الحركات الإسلامية أو (الأصولية) زاعماً أنها ستعيد البلاد الإسلامية إلى العصور الوسطى (الأوروبية) حين كان العلماء يقتلون و يحرقون . وأن الحركات الإسلامية تضطهد المرأة وأن الأقليات سوف تعاني. والحديث وإن كان ظاهره عن الحركات السلامية لكنه في الواقع طعن في الإسلام، فالدول التي ظهرت فيها الحركات الإسلامية تخلت عن التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية منذ زمن بعيد، ولذلك فالاتهام موجه للإسلام. وكتب مثل هذا الكلام"مستشرقون"من أمثال دانيال بايبس، وبرنارد لويس. وقد كان لويس عنيفاً حاقداً في نقده، وكانت محاضرته التي ألقاها في مكتبة الكونجرس محاضرة تحريضية ضد الإسلام والمسلمين.