فهرس الكتاب

الصفحة 10557 من 27364

نالت مسألة الوحي اهتماما كبيرا من المستشرقين سواءً اليهود أو النصارى، وحاولوا بشتى الوسائل الطعن في الإسلام من خلال هذا الأمر بمحاولة تفسير الوحي الذي نزل على سيدنا صلى الله عليه وسلم بشتى التفسيرات المادية والعقلانية. والوحي من الأمور الاعتقادية التي لا تخضع لمناهج المستشرقين المتصفة بالمادية، ولا تعترف بالقضايا الغيبية، ولا نستطيع إثباتها عن طريق العقل والحواس وحدهما ولكن علينا الإيمان بها، ولذلك كان من أول صفات المؤمنين كما جاء في بداية سورة البقرة قوله تعالى)ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(ء [7]

ومن أبرز هذه الشبهات زعمهم أن الوحي يشبه الصرع الذي يصيب الإنسان، فكان صلى الله عليه وسلم حين يجيئه الوحي يصاب به فيعتريه احتقان فغطيط فغثيان كما جاء في كتاب جوستاف لوبون (حضارة العرب) فقد كتب مونتجمري وات يصف الرسو صلى الله عليه وسلم بأنه كان من الذين يتمتعون بما سمّاه"الخيال الخلاق"وحاول الرجوع لعلم النفس لشرح هذا المصطلح بإرجاعه إلى اللاشعور أو الوعي الجمعي وغيره من المصطلحات الغامضة التي تبعده عن تفسير الوحي التفسير المعقول.

وللرد على هذه الافتراءات نذكر ما قاله محمد رشيد رضا بأن الذي يصاب بالصرع حقيقة يفقد وعيه فإذا أفاق لا يذكر من تلك الفترة شيئا،ولكن الوحي الذي كان يجيء نبينامحمدا صلى الله عليه وسلم لا يذهب حتى يكون قد وعى وحفظ ما أوحي إليه به، ويضيف رشيد رضا بان المصاب بالصرع لا يمكن أن يأتي بدين ورسالة إلى العالم، ثم إن الوحي لم يكن دائما بالصورة التي تشبه الغيبوبة بل كان يأتي في الواقع كثيرا والرسول صلى الله عليه وسلم في يقظة تامة، ويلخص ساسي الحاج هذه القضية بقوله"إن الصرع يعطل الإدراك الإنساني وينزل بالإنسان إلى مرتبة آلية يفقد أثناءها الشعور والحس، أما الوحي فهو سمو روحي اختص الله به أنبياءه ليلقي إليهم بحقائق الكون اليقينية العليا كي يبلغها للناس، وقد يصل العلم إلى إدراك بعض هذه الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون، وقد يظل بعضها لا يتناوله العلم، ومع ذلك فتبقى حقائق يقينية يهتدي بها المؤمنون الصادقون." [8]

نقد النص

ومن الموضوعات التي خاض فيها المستشرقون فيما يخص القرآن الكريم ما أطلقوا عليه نقد النص القرآني، وهذا الأمر ناتج عما أحدثه الغربيون بخصوص كتبهم المقدسة حيث أعملوا فيها نظريات نقد النص، وقد أدى هذا النقد إلى التشكيك في طريقة نقل هذه الكتب وروايتها، وكذلك في الحقائق التي وردت فيها، وإن كانت كتب النصارى واليهود قد تعرضت للتبديل والتحريف وأثبت نقد النص ذلك فهذا الأمر لا يمكن تطبيقه على القرآن الكريم لأنه في المقام الأول قد نقل إلينا بالتواتر القطعي الذي لم يتيسر لكتاب في العالم اهتمام ورعاية كما ناله القرآن الكريم.

ومع علمهم بفشل مثل هذه الممارسة مع القرآن الكريم إلا إنهم لم يتورعوا عن هذا العمل، وقد تأثر بعض المسلمين فظهر من يزعم أنه لابد من تطبيق نقد النص على القرآن الكريم ومن هؤلاء محمد أركون في الجامعات الفرنسية، وفضل الرحمن الذي كان يرأس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة أمريكية، ونصر حامد أبو زيد في مصر الذي يعمل حالياً أستاذاً زائراً في جامعة ليدن بهولندا بعد أن صدر ضده حكم التفريق بينه وبين زوجه بسبب ما كتبه من تجديف وافتراء على القرآن.

-الحواشي:

[1] - الإتقان في علوم القرآن

[2] - سورة الحجر آية9

[3] - ساسي سالم الحاج .الظاهرة الاستشراقية.

[4] - عباس ارحيلة .""

[5] - سورة النحل آية 103

[6] - انظر عبد اللطيف طيباوي المستشرقون الناطقون باللغة الإنجليزية. ترجمة قاسم السامرائي . (الرياض: إدارة الثقافة بجامعة الإمام 1410)

[7] - سورة البقرة آية 2

[8] - الظاهرة الاستشراقية1/2 ص 360 عن محمد حسين هيكل ،حياة محمد ط5ص41

تاريخ حركة ترجمة معاني القرآن الكريم من قِبل المستشرقين ودوافعها وخطرها

إعداد

د. محمد حمادي الفقير التمسماني

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد أنزل الله كتابه العظيم على نبيه صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، وأمره بتبليغه إلى الناس أجمعين، وتولّى حفظه بنفسه فقال: ]إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحَافِظُوْن[ (الحجر:9) وهيأ له رجالاً مخلصين ذادوا عن حرمته، وتصدوا لكل المحاولات التي تهدف إلى تشويهه، وبذلوا جهوداً خيرة في كشف زيف ما يثيره أعداؤه عنه من أباطيل وأكاذيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت