فهرس الكتاب

الصفحة 10558 من 27364

هذا وإن أخطر حملة عدائية واجهها القرآن العظيم هي تلك الهجمة الشرسة التي شنَّها المستشرقون عليه، فكان أول همهم أن يبحثوا لأوروبا عن سلاح غير أسلحة القتال، لتخوض المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة الأجناس والألوان والألسنة، وجعلها أمة واحدة، تعد العربية لسانها، وتعد تاريخ العرب تاريخها، وقد لخَّص (وليم غيفورد بلغراف) عداء الغربيين وحربهم للقرآن في كلمته المشهورة:"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العرب يتدرج في سبل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه" ( [1] )

ولا ريب أن هذه الصورة بدأت تتغير قليلاً الآن، ولكن التيار القوي في مراكز الاستشراق والكنائس الغربية، ومعاهد الدراسات ما زال هو التيار المعادي للإسلام المتحفظ تجاهه.

لقد نتج عن حقدهم وكراهيتهم بانقطاع صلة معظمهم بالعالم العربي ولا سيما بعد استمرار تدهور العلاقة بين المستشرقين والعالم العربي بداية من النصف الأول من هذا القرن (القرن العشرين) ( [2] ) .

إن خطر معاداتهم وحربهم للقرآن الكريم قد اشتد وتزايد أواخر هذا القرن وحتى أيامنا هذه، نتيجة كون تلك الأحكام السابقة والضلالات التي ينتجها العقل الاستشراقي لم تعد محصورة في المجال الجامعي، فقد تلقفها الإعلام الماكر وأخذ ينشرها على أوسع نطاق، وتسرَّب الكثير منها أيضاً إلى المناهج الدراسي في معظم البلاد الأوربية، وبهذا يربون الأجيال الجديدة على كراهية المسلمين ويعدونهم لقبول أية قرارات بحصار الشعوب المسلمة، والموافقة على أية تدخلات عسكرية لحماية القرن الحادي والعشرين!

وهنا تتجلى أهمية الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه ألا وهو"تاريخ حركة ترجمة معاني القرآن الكريم من قبل المستشرقين ودوافعها، وخطرها"

أهمية الموضوع:

تتلخص أهمية الموضوع فيما يأتي:

أولاً - كون المؤسسة الاستشراقية قد نجحت بالفعل في تقديم مادة معرفية مزورة ومشوهة عن القرآن الكريم ، وبالطبع لن يعرف تشويهها وخطرها إلا من أوتي معرفة منطلقة من الأصول الصحيحة، وإلا فإنه سينزلق مثلما انزلق كثير من المعاصرين من أبناء هذه الأمة.

ثانياً - ما يقتضيه واجب التبليغ والدعوة، فعلى الداعية المسلم - لا سيما في أيامنا هذه - أن يقف على ما يثيرونه من شكوك وشبهات، ويتصدى لها بالعلم والمعرفة، ويواصل جهوده بخطى ثابتة من غير كلل ولا ملل ؛ لأن الناس في حاجة ماسة إلى ترجمة صحيحة ووثيقة، لكي يفهموا كلام الله سبحانه وتعلى الذي قرر فيه أوامره ونواهيه، بل إنَّ كل مسلم مطالب شرعاً بعرض كلام ربه على غيره بشكل واضح وسليم، كي يحصل على صورة إيجابية وصحيحة لهذا الكتاب الجليل، فإن جل الذين أسلموا من كبار علماء العالم هم ممن خوطبوا به في البداية بلغتهم، وفهموا الإسلام بتلك اللغة.

ثالثاً - كون ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية الواسعة الانتشار أصبحت اليوم ضرورية بصفة مبدئية، نخص منها: الإنجليزية والإسبانية والفرنسية، وذلك بهدف أن يقرأ، الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين من غير أهل لغة الضاد في ترجمة أمينة.

لذا يتأكد تظافر الجهود بين أهل العلم في مختلف التخصصات، وإيجاد تعبئة عامة: أكاديمية وإعلامية وثقافية ودبلوماسية وسياسية، ولا جدوى من مؤتمرات الحوار التي ينظمها الموظفون ولا تخطط لأي عمل جاد مؤثر ( [3] ) .

لا شك أن هناك جهوداً خيرة مباركة بذلت في مجال ترجمة القرآن الكريم أواخر هذا القرن، نخص منها بالذكر:

1.الجهد الكبير الذي بذله الدكتور عبدالله نصيف، والدعم الذي قدمه للجنة الترجمة التي استمرت تعمل خمس عشرة سنة في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وقت أن كان مديراً للجامعة، ثم أميناً عاماً لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة. إذ استمرت هذه اللجنة في عملها تحت إشرافه واستعرضت عشرين ترجمة، وخلصت إلى أن خير الترجمات:

-ترجمة محمد مارماديوك بكثال، وهو مسلم عاش في الهند ، وترجمته خير الترجمات لحرصه على مدلولات الألفاظ وتمكنه من لغته الإنجليزية.

-ترجمة: آربري، وهو عالم فذ بالعربية وبلسانه الأصلي الإنجليزية، وترجمته رائعة من حيث أسلوبها الممتاز ( [4] ) .

2.من الجهود الخيرة أيضاً الندوة الدولية الأولى التي انعقدت بعمان سنة 1998م والتي صدرت أعمالها في كتاب ضخم (510 صفحات من الحجم الكبير) وأبحاث الكتاب قاربت الثلاثين، وشملت الترجمات أهم اللغات: الإنجليزية والفرنسية والألمانية والبرتغالية والتركية والبوسنوية والألبانية والفارسية والبلغارية والأردية والروسية.

ولقد أثلج صدورنا الخبر السار الذي نشرته مجلة"الرابطة"في أحد أعدادها ( [5] ) وهو: أن مجمع الملك فهد بن عبدالعزيز لطباعة القرآن الشريف قد تبنى مشروعاً لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة العبرية، فجزى الله المشرفين على المجمع خير الجزاء، وفي مقدمتهم الأمين العام للمجمع ورئيس اللجنة التحضيرية لندوة"ترجمة معاني القرآن الكريم: تقويم للماضي وتخطيط للمستقبل"سعادة الدكتور محمد سالم بن شديد العوفي.

التمهيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت