فهرس الكتاب
من خلال استقراء جهود الاستشراق في الدراسات القرآنية وتتبعها نجد أن الكثير منها يدور حول ترجمة القرآن الكريم إلى مختلف اللغات العالمية والألسن الحية ترجمة حرفية أو تفسيرية أو لغوية جزئية وكلية.
وطبيعة هذا الموضوع تفرض علينا أن نمهد له بكلام موجز نبين فيه حقيقة الترجمة، وإمكانها في القرآن الكريم، ومدى صعوبتها.
حقيقة الترجمة:
لغة ( [6] ) : استعملت الكلمة في اللغة للدلالة على معان: يقال: ترجم الكلام: إذا بيَّنه وأوضحه، ويقال: ترجم كلامه إذا فسره بلسان غيره، وترجم كلام غيره وعنه: نقله من لغة إلى أخرى ومنه التّرجمان، ويقال: تَرجُمان ولك أن تضم التاء لضمة الجيم فتقول: تُرْجُمَان والجمع: تراجم، قال الفيومي في:"المصباح المنير":"وفيه لغات أجودها فتح التاء وضم الجيم، والثانية ضمهما معاً بجعل التاء تابعة للجيم، والثالثة فتحهما بجعل الجيم تابعة للتاء" ( [7] ) .
إصطلاحاً: يقول الدكتور صفاء خلوصي:"الترجمة: فن جميل يعنى بنقل ألفاظ ومعان وأساليب من لغة إلى أخرى، بحيث إن المتكلم باللغة المنقول إليها يتبين النصوص بوضوح، ويشعر بها بقوة كما يتبينها ويشعر بها المتكلم باللغة الأصلية ( [8] ) ."
هل يمكن ترجمة القرآن الكريم؟
لقد شغلت الإجابة عن هذا السؤال العلماء في القديم والحديث، وتباينت فيها آراؤهم، ووقعت بسببها معركة حامية بينهم، كثر فيها ردُّ بعضهم على بعض، واحتدم النقاش بينهم في عشرينات وخمسينات هذا القرن، فكان منهم من يرى الجواز، ومنهم من عارض ومنع، وألفت في ذلك رسائل خاصة.
والمختار من القولين - والله أعلم - هو: ما ذهب إليه من أجاز - وعليه جرى العمل ( [9] ) - يقول العلامة الحجوي المغربي - رحمه الله تعالى - في كتابه القيم"حكم ترجمة القرآن الكريم":"زُعم أن الإسلام ألزم الناس العربية وتعلمها، ونَبَذَ ألسنتهم ومنعهم من ترجمة القرآن العظيم، وهذه الشنعة تكفل بردها والتشنيع بها كتابي (جواز ترجمة القرآن) فقد برهن فيه على أن الدين لا يلزم الأمم التي دخلت في الإسلام التكلم بالعربية، بدليل بقائها إلى الآن تتكلم بألسنها، وما منع ترجمة القرآن أصلاً ولا ورد المنع في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس" ( [10] ) .
وقال أيضاً:"إن ترجمته من الأمور المرغب فيها، بل يضح لنا أن"
نقول: إنها من فروض الكفاية التي يجب على الأمة القيام بها، فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد أثم الكل ( [11] ) ، برهان ذلك: انه تبليغ عن سول ا صلى الله عليه وسلم الذي قال:"… فليبلغ الشاهد الغائب" ( [12] ) . وقال"بلغوا عني ولو آية" ( [13] ) . وقد أوجب الله على رسوله التبيلغ فقال: ] يَا أَيَّهَا الرَّسُوْلُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه [ (المائدة:67) فهو بلغ للعرب بلسانهم ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رِسُوْلٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [ (إبراهيم:5) ويجب على العرب أن ينوبوا عنه، ويبلغوا لغيرهم من الأمم، فلذا قال لهم:"بلغوا عني ولو آية"ولا يمكن التبليغ لجميع الأمم إلا بالترجمة إلى لسانهم ([14] ) " ( [15] ) ."
بقي القول بأن الترجمة اللفظية كلمة بكلمة من لغة إلى أخرى لأي تعبير كان ليست من قبيل الممكن، إذ كل لغة نظامها في القواعد والترتيب، وإنما يراد بالترجمة هنا: أداء المعنى المراد باللغة الأخرى، تبعاً لقواعدها إلى من لا يفهم لغة النص المترجم، يقول العلامة الحجوي رحمه الله أيضاً:"لا نريد بالترجمة إبدال كل لفظ بما يرادفه أو يقاربه في اللغة الأخرى، فهذا تبديل، وربما يقال عنه تحريف. لأن ما يظن من الترادف أو التقارب قد لا يكون،"
فإنا نرى كثيراً من الألفاظ في لغتنا يظن ظانون أنها مترادفة، فإذا هي متخالفة، وإنما المراد: ترجمة المعنى الأصلي من كل جملة مع ما يتبعه من المعاني التي تقتضيها دقائق اللغة وبلاغتها بقدر الإمكان، وإن لم تكن الإحاطة بكل المعاني العظيمة التي احتوى عليها اللفظ المنزل من حكيم حميد، كما لا يمكن له الإتيان بما يشتمل عليه من طرق الإعجاز الراجعة
لفصاحته، وطلاوة لفظه ومتانة أسلوبه، ولطائف إشارته، وغير ذلك مما هو مقرر في وجوه إعجازه، كل ذل لا تفي به ترجمة كائن، ولا تطمح في
الوفاء به، لمكان الإعجاز الذي ينقضي الدهر ولا تنقضي عجائبه
وغرائبه ( [16] ) .
صعوبة الترجمة:
تعد المحاولات المبذولة لترجمة معاني القرآن الكريم من أصعب المحاولات في ميدان الترجمة عموماً، فترجمة معنى آية كريمة واحدة بنقلها من النص القرآني المحكم البليغ إلى أي نص في لغة أجنبية تواجه صعوبات كبيرة، إذ يهتز المعنى الجميل الرائع ويفقد التركيب البلاغي للآية الكريمة رونقه ودقته، ويفرغ اللفظ من وقعه الجميل المؤثر ( [17] ) .