فهرس الكتاب
وإذا كان السلام قد أمكن تحقيقه بين الفرنسيين والألمان, الأعداء الألداء, فلماذا تظل إمكانية تحقيق السلام بين العرب والإسرائيليين مستبعدة؟ (1)
(1) السلام الذي تحقق بين الكاثوليك والبروتستانت, وكذلك بين الألمان والفرنسيين, تحقق عندما تخلى كل طرف عن محاولات"نفي الآخر", بينما المشروع الصهيوني قائم على نفي الوطن الفلسطيني المستقل, وحرمان أهل فلسطين من حقهم الفطري والطبيعي في تقرير المصير. فاستحالة السلام _ هنا _ قائمة في طبيعة المشروع الصهيوني, وليس في الإسلام أو اليهود. المشرف على الكتاب د. محمد عمارة
3 _ التطرف الإسلامي
ولكنى أسمع أحياناً الاعتراض القائل: كيف يمكننا التعامل مع المتطرفين المسلمين الذين يمكنهم التعامل مع وسائل الحضارة الحديثة ( وليسوا رجعيين, أو متخلفين عن المدنية الحديثة, كما يدعى البعض ) , وباستطاعتهم الظهور بمظهر متمدن جدّاً من عدة وجوه ( كاستخدامهم للتكنولوجيا الحديثة, ووسائل الإعلام, ووسائل المواصلات, والمعاملات المالية) ؟
فيما يخص مسألة المسلمين المتطرفين _ أو الإسلاميين كما يسميهم المسلمون _ فينبغي أن نقول:
1 _ ليس الإسلام ديناً متطرفاً كلية, ففي الإسلام أيضاً كان _ وما زال _ هناك حركات إصلاحية كثيرة.
2 _ والمسيحية بدورها ليست ديانة متسامحة كلية, فالتطرف موجود أيضاً في المسيحية في أصل البروتستانتية والكاثوليكية ( المثال الحديث: بولندا) , والتطرف موجود أيضاً في اليهودية ( في داخل إسرائيل, وخارجها) .
3 _ لا تنحصر جذور التطرف على الناحية الدينية فحسب, بل تمتد لتشمل أيضاً النواحي الاجتماعية, والاقتصادية, والسياسية, فالمتطرفون المسلمون يشيرون إلى أوجه قصور الحضارة الحديثة, وهي ملاحظات ينبغي أن تؤخذ مأخذ الجد, حتى إذا رفضنا الحلول التي يقدمها المتطرفون. ولذلك فمن الصحيح:
4 _ أنه لا يمكن التغلب على التطرف _ كظاهرة دينية _ عن طريق الهجوم المباشر, ولكن من خلال الفهم الصحيح له, وتخيل أنفسنا في مكان هؤلاء المتطرفين. والأهم من ذلك عن طريق معالجة الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا التطرف.
4 _ التطرف على مستوى الديانات العالمية
ماذا يمكننا إذن أن نفعل تجاه التطرف في جميع الديانات؟ هناك خمس نقاط هامة نود ذكرها في هذا المقام:
أولاً: من ناحية, ينبغي لفت نظر المتطرفين إلى الأصول الخاصة بالحرية, ومبدأ التعددية, والانفتاح أمام الآخرين, وذلك في تراث كل فريق منهم: في التوراة والتلمود عند اليهود, وفي الأناجيل و الكتابات المسيحية عند المسيحيين, وفي القرآن والسنة عند المسلمين.
ثانياً: من ناحية أخرى ينبغي أيضاً تنبيه التقدميين إلى ضرورة ممارسة النقد الذاتي فيما يخص كل المحاولات الواهية للتكيف مع روح العصر, والعجز عن رفض ما يجب رفضه. وكذلك فيما يخص كل أوجه القصور المتعلقة بالجوهر الديني, والمذهب اللاهوتي, والالتزام الأخلاقي, وذلك فيما يتصورونه من ديانة ليبرالية حديثة, ليس لها قوانين تحكمها, ولا حدود توضحها.
ثالثاً: إيجابيّاً, لا بد من انتهاج طريق روحاني جديد, وممارسته بصدق وأمانة, وخاصة من قبل هؤلاء الذين لا يقبلون سلطة الكنيسة الكاثوليكية, ولا حرفية الكنيسة البروتستانتية, ولا تقاليد الكنيسة الأرثوذكسية, أو أولئك الذين لا يرضون بالتيارات الرجعية ذات الأصل اليهودي, أو الإسلامي.
رابعاً: على الرغم من كل الصعوبات والتناقضات, فلا بد أيضاً من السعي لفتح حوار مع المتطرفين, بل لا بد من التعاون معهم, ليس فقط في المجالات السياسية والاجتماعية, بل أيضاً في مجال العلوم الدينية.
خامساً: ولكني إذا قام تحالف بين التطرف من ناحية, والقوة السياسية, والعسكرية _ البوليسية, من ناحية أخرى ( كما هو الحال في بعض الدول الإسلامية, وموقفها من سلمان رشدي) , أو بين التطرف من ناحية, والسلطة الدينية من ناحية أخرى أو بين التطرف من ناحية, والسلطة الدينية من ناحية أخرى (ولنذكر الفاتيكان كمثال لذلك, وما يقوم به من أعمال ضد بعض رجال الدين, والأساقفة, والنساء ) في مثل هذه الحالة ينبغي مقاومة التطرف بصورة حازمة وشديدة, وذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وهكذا لعل الديانات السماوية الثلاث تجد تجريجياً _ في هذا العصر الصاخب, الممتلئ بالخلافات الدينية, والنزاعات العنصرية الحديثة _ طريقاً وسطاً بين الحداثة بلا أساس (1) , والتطرف بلا عصرية, وبلا نقد ذاتي , وبلا تسامح, ولا استعداد للحوار والمناقشة. طريق وسط بين التحرر والانغلاق, بين التنبلة والنشاط.
5 _ التأثير المزدوج للدين
ولكن مهما يكن مصير التطرف, فمن المؤكد أن الجانب الديني كثيراً, بل غالباً, ما يلعب
دوراً هامّاً في أي نزاع بين الشعوب, أو الأجناس المختلفة, فالدين _ باعتباره ظاهرة إنسانية _ له تأثير مزدوج, تماماً مثل الموسيقى, والفن, اللذين أسيء, ومازال يساء
(1) أي الحداثة التي أقامت قطيعة مع الموروث, فأصبحت بناء لا أساس له من الموروث. (م ع) .