فهرس الكتاب

الصفحة 10830 من 27364

ولهذا السبب يمكن أن تعد مقالة أنور عبد الملك رائدة ليس لكونها قد أثارت اهتمام كتاب لاحقين من العرب وغيرهم ناقشوا الاستشراق ومروا بها متفقين او معارضين حسب, بل لأنها في حدود المنظور المتكافئ الذي أخذ بالتكون داخل الفكر العربي في مطلع الستينات حملت بذرة النزاع المعرفي في الاستشراق, رغم ان هذه البذرة ظهرت متفاوتة في قوتها ونموها منذ منتصف القرن الماضي0 لكن النزاع المقصود هو المنطلق من الحس بالتكافؤ نهجاً ومادة وليس من الاختلاف الديني او العرقي, ذلك لأن الاخير قائم منذ ان ظهر الاسلام والثقافة العربية الاسلامية واسعاً ومؤثراً ومواجهاً للثقافات الاخرى ومنذ ان توجهت جهود الكنيسة ضدهماتمهيداً للحروب الصليبية وما تلاها0 اما النزاع المعرفي والذي ميدانه الفكر وأداوته فإنه ينعكس بشكل أو باخر على ساحة الصراع السياسي وعلى امكانية ادارة هذا الصراع, ولهذا لم يكن عبثاً ان تتميز العقود الاخيرة بظهور الكتابة السياسية والميدانية والاجتماعية والاقتصادية عن المنطقة بغزارة لا تفهم دونما معرفة بمتغيرات السياسة الدولية0 كما لم يكن عبثاً أن تتكرر الاهتمامات او تزدوج بين الثقافة والسياسة والفكر لدرجة ان (مستشرق) العهد القديم او المرحلة التقليدية, ورجل العلاقات في الشعبة المختصة بالدائرة الاستعمارية, يترك اليوم مكانته امام المستشار او الدارس المختص الذي يبني استنتاجاته في طرائق التفاوض والعلاقة وتفجير الاوضاع او تهدئتها على ما قدمه السلف له من ثوابت وهي ثوابت تجمع حصيلتها من فقه اللغة الى دراسة الشخصية, ومن الأمثال الى الشرائع والتقاليد ,ومن معايشة النصوص العربية الى الاستئناس باراء الاخرين والتنصت اليهم, كما فعل دارسون متميزون من أمثال انتوني نتنغ0 ويقابل هؤلاء أيضاً عدد من الدارسين العرب الذين يجمعون الاهتمام السياسي بالثقافي ويرون انهم أصحاب مهمة في صياغة مستقبل بلادهم حتى عندما ترفض السلطات منحهم هذه المكانة0 ولا يعني هذا التقابل الاختلاف في كل شئ لكنه يعني تكافؤ الاهتمام والمعرفة, كما يعني ضمناً من الجانب من الجانب العربي الاسلامي عودة المثقف مؤثراً في تكوين الرأي العام ورأب الصدع بين العامة والخاصة من خلال متغيرات حتمها واقع الصدام النفسي والسياسي والاقتصادي مع الغرب, وهو صدام أضطرت فيه العامة الى الاستعانة بالمكونات الاساسية الجمعية لمواجهة الاهانة والتحقير والعدوان من خلال الرد السياسي (كما حصل في 56و67و 73 مثلا) والافادة من سبل التحديث دونما خشية من التغريب المطلق , كما يحصل عند التعامل مع التعليم ووسائل الاتصال أيضاً في الساحة العربية0

لكن مرحلة العقود الأخيرة تعني أيضاً ظهور نماذج الدارسين الامريكان والاوربيين المختلفين أتجاهاً ومعرفة, تماماً كما هو شأن الدراسين العرب والمسلمين, وكذلك الدارسين السوفييت واليابانيين000الخ0 اذ ان ساحة الاهتمام وجدت متنفسها الأوسع في سوح الاتصالات والنشر , وهكذا تكتسب المعرفة حريتها وقيودها في آن واحد من خلال لعبة تدفق المعلومات حسب القوى المتحكمة والمؤثرة رغم ان الانسانية تمتلك قدرة خاصة على تمييز الجوهر من الركام والطيب من الخبيث هو السائد, مجسداً في الأكاذيب والالاعيب ومجازر الموت والهلاك التي تدبر يومياً لضمان تنفيذ فكرة تتيح حماية قوة ما في المنطقة العربية وعلى حسابها, هو ما تشهده العقود الاخيرة أيضاً0 وبينما لا تعني الكتابات الغثة الطافية على السطح والخادمة للمصالح اللاانسانية العقول المثقفة والنيرة, فإت الكتابات صاحبة القضية, مختلفة او مؤتلفة, هي التي تهمنا في تكوين رؤية واضحة حول أتجاهات الدراسة والمعرفة 0 واذا كان أدوارد سعيد قد ذكر عشرات الاسماء التي ميزها من غيرها, من امثال ريمون شواب وشافر وكيرنان و نورمان دانيال و سندرسن, وذكر نديم البطار اسماء آخرين معنيين بالدراسات الانسانية عامة من ملاحظي ازمة الضمير او الذهن الغربي, فإن واقع الحال منذ عقود يؤكد عودة الاتجاه الأنساني ثانية في الفكر العالمي في الرد على النزعات النفعية التي قادت الفكر الى الحضيض محيلة أياه الى هوامش في خدمة المصالح الاحتكارية 00وهذه العودة الانسانية مهمة هي الاخرى عندما نريد دراسة المرحلة الجديدة في تعاملات المفكرين والمثقفين العرب مع حركة الاستشراق بمراحلها السابقة وماتلاها0 اذ مهما تمايزت اتجاهات الدراسة عند هؤلاء وغيرهم ممن وعوا مهمة الكتابة ودور المثقف في هذا العصر, فإنها على الأقل تمضي بعيدة عن الخدمة النفعية والسقوط العنصري0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت