فهرس الكتاب

الصفحة 10831 من 27364

لكن هذا التمييز بين مستويات الكتابة عن الثقافة العربية الاسلامية وآثارها ينسحب ايضاً , او ينبغي ان ينسحب, على نتاجات المثقفين العرب خلال هذه العقود الثلاثة ايضاً بعدما حتم واقع الحال جدية اكثر في دراسة نتاجات الاخرين وافكارهم, لا بقصد التصويب والاضافة حسب , بل بقصد اداء المهمة اللازمة في ميدان المراجعة الأوسع لمكونات الثقافة العربية الاسلامية واكتشاف نصوصها واعتماد السبل الحديثة في تكوين الرؤية المناسبة ازاءها0 واذ تشمل مراجعنا في دراسة هذه الثقافة اليوم عشرات الدارسين العرب الآن , فان العقود الاخيرة ما فتئت تشهد كتابات مبسطة او اعتيادية تعيد ما قدمه المصلحون والمفكرون في القرن الماضي وفي مطلق القرن العشرين, وهكذا لا يبدو كتاب الشيخ مصطفى السباعي الذي أعده ابنه للنشر مفيداً في دراسة الاستشراق وهو يدحض اصلاً ابرز فرضياته المضادة لحركة الاستشراق, اذ ان الاتهام المطلق ضد المستشرقين دارسين مختصين منهم او مستخدمين للمعلومات لصالح دوائر الخارجية في بلدانهم ليس صائباً , وهو ينهي المجادلة اويمنعها, كما انه يحيلها الى أداة للقمع0 ولم يكن مستغرباً ان نقرأ بعد حين ان المؤلف التقى المستشرق الفلاني فصحح له معلوماته, وعدل في وجهات نظره, بينما جاء بنص آخر الى شخص آخر , فما كان من الآخر الا الاعتراف بخطأه 00الخ0 وبكلمة أخرى فإن الكتابة الاطلاقية لها مثالبها, كما ان تصور الاحكام على انها نهائية له مشكلاته00بينما يبدو سياق كتاب آخر للدكتور السامرائي خاسراً هو الاخر رغم ميل صاحبه لتلمس تاريخ الجانب السياسي في الاستشراق, جراء خضوع المؤلف لاعتقاد مطلق بوجود تيار معاد اسمه (الاستشراق) يحتضن كل من كتب عن الاسلام والعرب0 وهكذا عد (كارلايل) من بين المستشرقين, ولك يعرف علاقته بالفلسفة المتسامية وعلاقات ذلك في حدود تصادم الفلسفة بالمدارس النفعية والوضعية في أوربا في النصف الاول من القرن الماضي0 أما المشكلة الأشد فتتعلق بذلك الميل الانتقادي لدى عدد من المثقفين العرب منذ خاتمة الخمسينات للاسراف في تحليل الذات تحت وطأة المناهج الاجتماعية, خالطين بين أحاسيسهم الاصلاحية وميلها الطبيعي لنقد المجتمع وبين مستلزمات الفصل بين هذه من جانب وبين الوقائع من جانب اخر0 وهكذا أصبحت معالجات سانيا حمادي وحامد عمار وهشام شرابي وصادق جلال العظم وصلاح الدين المنجد وعشرات الاسماء الأخرى مزيجاً من النزوع الاصلاحي والتحليل والاستنتاج الموضوع في خدمة الاحكام المسبقة, والتي سرعان ما لاقت استجابة حسنة لدى أصحاب الافكار المتكونة بشكل ثوابت ازاء المجتمع العربي وآفاته ومشكلاتهو وبينما تبقى بعض افكار الكتاب العرب على قدر من الموضوعية, إلا ان طرائق اخضاع المعلومات غالباً ما أدت الى عزل حس الكاتب بالنقد الذاتي ومهماته عن استنتاجاته, وهي استنتاجات عامة ومطلقة في أغلب الاحيان تؤيد نزعات متأسسة في الفكر السياسي المعاصر ازاء المنطقة العربية0 واذ ترتسم أمام المصلح حالة المجتمع العربي والعائلة في أشد مواصفاتها تخلفاً تندرج وصفات متلاحقة للوضع الاجتماعي على انه عشائري , اتكالي, متهرب, غير واقعي وغيبي0 واذ ينقطع التقييم عن ظرف التخلف والركود قبيل اشتعال فتيل الاحتراب, فإن هناك عشرات الامثلة والوقائع التي تسنده وتوهم الآخر بأنه حقيقة ثابتة0 وما يتكررر عند الدارس العربي أو زميله الاجنبي في مثل هذه الحالة عبارة عن حلقة متبادلة تتم داخلها الاحالة والاضافة والاعلان , لكنها حلقة شريرة لسوء الحظ عندما تصبح مادتها سبيلاً الى تقييم شعب او منطقة والتصرف نحوهما0 رغم ان النقد الذاتي هو السبيل الاول للاصلاح الا انه عند المبالغة والتعمييم وقصر النظر يتحول الى عقاب محزن يستهوي الآخرين ضرورة لكنه قلما يكون نافعاً0

المصدر:الاستشراق في الفكر العربي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت